وفي حدود هذه المباديء العامة كان الجهاد في الإسلام.
وكان لهذه الأهداف العليا وحدها، غير متلبسة بأي هدف آخر، ولا بأي شارة أخرى.
إنه الجهاد للعقيدة. لحمايتها من الحصار ; وحمايتها من الفتنة ; وحماية منهجها وشريعتها في الحياة ; وإقرار رايتها في الأرض بحيث يرهبها من يهم بالاعتداء عليها قبل الاعتداء ; وبحيث يلجأ إليها كل راغب فيها لا يخشى قوة أخرى في الأرض تتعرض له أو تمنعه أو تفتنه.
وهذا هو الجهاد الوحيد الذي يأمر به الإسلام، ويقره ويثيب عليه ; ويعتبر الذين يقتلون فيه شهداء ; والذين يحتملون أعباءه أولياء. [1]
فقد قال الجصاص: [2]
وَلَمَّا كَانَتْ أَجْرَامُ الْمُنَافِقِينَ أَعْظَمَ مِنْ أَجْرَامِ سَائِرِ الْكُفَّارِ الْمُبَادِينَ بِالْكُفْرِ ; لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا الِاسْتِهْزَاءَ وَالْمُخَادَعَةَ بِقَوْلِهِ: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} وَقَوْلِهِمْ {إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ، وَمَعَ مَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ مِنْ عِقَابِهِمْ وَمَا يَسْتَحِقُّونَهُ فِي الْآخِرَةِ، خَالَفَ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأَحْكَامِ سَائِرِ الْمُظْهِرِينَ لِلشِّرْكِ فِي رَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُمْ بِإِظْهَارِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَجْرَاهُمْ مَجْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي التَّوَارُثِ وَغَيْرِهِ. ثَبَتَ أَنَّ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا
(1) في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 161)
(2) أحكام القرآن للجصاص - (ج 1 / ص 53)