الَّتِي يَرَى الْإِمَامُ فِيهَا الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ زَادَتْ عَنْ عَشْرِ سِنِينَ، قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ أَنْ لَا تَزِيدَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ سَنَةً فَمَا زَادَ ; لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِزْيَةٍ، وَفِي جَوَازِ مُهَادَنَتِهِمْ فِيمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَمَا دُونَ سَنَةٍ قَوْلَانِ وَهَذَا فِي حَالِ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. أَمَّا فِي حَالِ ضَعْفِهِمْ فَيَجُوزُ عَقْدُهَا إلَى عَشْرِ سِنِينَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا. كَمَا لَا تَجُوزُ الْهُدْنَةُ إلَّا لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَإِمَّا أَنْ يَطْمَعَ فِي إسْلَامِ الْكُفَّارِ بِهُدْنَتِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمْ الْجِزْيَةَ وَالْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (هُدْنَةٌ) .
أ - (قِتَالُ الْكُفَّارِ) :
5 -قِتَالُ الْكُفَّارِ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، لَكِنَّ الْقِتَالَ يَكُونُ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ وَإِبَائِهِمْ، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: إنْ كَانَتْ الدَّعْوَةُ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تَبْلُغْ الْكُفَّارَ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الدَّعْوَةُ إلَى الْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْقِتَالُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ. وَالدَّعْوَةُ دَعْوَتَانِ: دَعْوَةٌ بِالْبَنَانِ وَهِيَ الْقِتَالُ، وَدَعْوَةٌ بِالْبَيَانِ وَهُوَ اللِّسَانُ وَذَلِكَ بِالتَّبْلِيغِ، وَالثَّانِيَةُ أَهْوَنُ مِنْ الْأُولَى، لِأَنَّ فِي الْقِتَالِ مُخَاطَرَةً بِالرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَلَيْسَ فِي دَعْوَةِ التَّبْلِيغِ شَيْءٌ مِنْ
(1) الموسوعة الفقهية (ج 2 / ص 11829)