وَهُمْ صَاغِرُونَ فَإِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عُقِدَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ، وَكَانَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْأَمَانُ وَالْعِصْمَةُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَّا بِحَقِّهَا. وَيُقَاتَلُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. . .} الْحَدِيثَ"وَالْكُفَّارُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (قِسْمٌ) أَهْلُ كِتَابٍ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ اتَّخَذَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كِتَابًا كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ إذَا بَذَلُوهَا. وَ (قِسْمٌ) لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ وَهُمْ الْمَجُوسُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَإِقْرَارُهُمْ بِهَا، فَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: {كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، عَلَى أَنْ لَا تُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلَا تُنْكَحَ لَهُمْ امْرَأَةٌ} . (وَقِسْمٌ) لَا كِتَابَ لَهُمْ وَلَا شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَهُمْ مَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامِ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَيُقَرُّونَ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ كَالْمَجُوسِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إلَّا كُفَّارَ قُرَيْشٍ. وَتَفْصِيلُهُ فِي: (جِزْيَةٌ) . وَيَنْتَهِي الْقِتَالُ كَذَلِكَ بِالْهُدْنَةِ، إذْ هِيَ لُغَةً الْمُصَالَحَةُ، وَشَرْعًا هِيَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ مُصَالَحَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتُسَمَّى مُوَادَعَةً، وَمُسَالَمَةً، وَمُعَاهَدَةً وَمُهَادَنَةً، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ أَوَّلُ سُورَةٍ"بَرَاءَةٌ" {إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يُنْقِصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ} ، وَمُهَادَنَتُهُ صلى الله عليه وسلم قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ لِلْمُدَّةِ"