سَوَاءٌ عِنْدَنَا وَالشَّافِعِيُّ رحمه الله يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ إكْرَاهَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الرِّدَّةِ، وَقَالَ: الرِّدَّةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِتَبْدِيلِ الِاعْتِقَادِ، وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبَدِّلٍ لِاعْتِقَادِهِ، فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ، وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَقَدْ سَمِعْنَا إقْرَارَهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ، فَلِذَلِكَ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُقْتَلْ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ ; لِأَنَّهُ بَدَّلَ الدِّينَ، وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام {مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ} ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ كَانَ الْمُكْرَهِ كَالطَّائِعِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ إسْقَاطَ الْقَتْلِ عَنْهُ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي فُعِلَتْ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ سِرَّهُ حَقِيقَةً، وَالْأَدِلَّةُ قَدْ تَعَارَضَتْ، فَكَوْنُ الْإِسْلَامِ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَقِدٌ، وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ بِمَا يَقُولُ، وَتَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهَذَا نَظِيرُ الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانِ فِي الْمَوْلُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ فِي صِغَرِهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُ لِلشُّبْهَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ فِيهِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ. رحمهم الله.
1.- وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا طَاوُسٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ، وَجَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي أَوْ ظِلِّ رُمْحِي، وَجَعَلَ الذُّلَّ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَنِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ} . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ} أَيْ بَعَثَنِي بِالْقِتَالِ
(1) شرح السير الكبير - (ج 1 / ص 19)