وَتَحْرِيقُ حُصُونِهِمْ مُبَاحٌ وَالْأَخْذُ بِمَا هُوَ الْفَرْضُ أَوْلَى وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ مَنَعْنَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ وَالظُّهُورُ عَلَيْهِمْ وَالْحُصُونُ قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ أَسِيرٍ وَكَمَا لَا يَحِلُّ قَتْلُ الْأَسِيرِ لَا يَحِلُّ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ تَحْرِيقُ حُصُونِهِمْ بِكَوْنِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فِيهَا فَكَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ بِكَوْنِ الْأَسِيرِ فِيهَا وَلَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْمُشْرِكِينَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى التَّمْيِيزِ فِعْلًا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا قَدَرُوا عَلَى التَّمْيِيزِ بِالنِّيَّةِ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ.
وفي شرح السير الكبير له: [1]
37 -ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ رحمه الله عَلَى جَوَازِ قَطْعِ النَّخِيلِ وَتَخْرِيبِ الْبُيُوتِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الْآيَةَ قَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ جَمْعُ أَنْوَاعِ النَّخْلِ مَا خَلَا الْعَجْوَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الْكَرِيمَةُ، وَالشَّجَرَةُ الَّتِي هِيَ طَيِّبَةُ الثَّمَرَةِ. وَنُزُولُ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ بَنِي النَّضِيرِ، {فَإِنَّ النَّبِيَّ عليه السلام حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ. ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي دِيَةِ الْكُلَابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ رضوان الله عليهم. فَقَالُوا: اجْلِسْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَتَّى نُطْعِمَك وَنُعْطِيَك مَا تُرِيدُ. ثُمَّ خَلَا بِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فَقَالَ: لَا تَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِ فِي وَقْتٍ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أَهْوَنَ مِنْهُ الْآنَ. فَهَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ عليه السلام. وَجَاءَ جِبْرِيلُ عليه السلام فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ عليه السلام. فَقَامَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَدِينَةِ} . وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قوله تعالى: {إذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} . ثُمَّ سَارَ إلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ وَقَالَ: اُخْرُجُوا مِنْ جِوَارِي، عَلَى أَنْ تَاتُوا كُلَّ عَامٍ فَتَجِدُوا ثِمَارَكُمْ، فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ. فَحَاصَرَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَكَانُوا قَدْ سَدُّوا دُرُوبَ أَزِقَّتِهِمْ، وَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَ
(1) شرح السير الكبير - (ج 1 / ص 66)