وقوله: {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي: اعملوا الطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ {إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] ، و {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] ؛ ولهذا قال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} قال مُطَرِّف: أغش عباد الله لعَبِيد الله الشيطان.
وقوله: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحُجَجُ، فاعلموا أن الله عزيز [أي] في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يَغلبه غالب. حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
لما بيّن الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال: كونوا على ملة واحدة؛ واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه. فالسِّلم هنا بمعنى الإسلام؛ قاله مجاهد، ورواه أبو مالك عن ابن عباس. ومنه قول الشاعر الكنديّ:
دعوتُ عشيرتي للسِّلم لمّا ... رأيتهم تَولَّوا مُدبرِينا
أي إلى الإسلام لما ارتدت كنْدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأشعث بن قيس الكِنديّ، ولأن المؤمنين لم يُؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح، وإنما قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجنَح للسِّلم إذا جنحوا له، وأما أن يبتدىء بها فلا؛ قاله الطبريّ. وقيل: أمر من آمن بأفواههم
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 6.7)