فَإِذَا نَهَضَ أَصْحَابُكَ فَانْهَضْ وَإِذَا شَدُّوا فَشُدَّ وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ ; بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ عليه السلام: {أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ سَأَلَهُ مَا يُضْحِكُ اللَّهُ مِنْ عَبْدِهِ؟ قَالَ: غَمْسُهُ يَدَهُ فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا فَنَزَعَ الرَّجُلُ دِرْعَهُ وَدَخَلَ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى قُتِلَ رضي الله عنه} .
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِتَالِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَقَدْ، وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْرَحُ مِنْ هَذَا، أَوْ أَثَرٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَلَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ وَأَصْعَبِهَا عَلَى النُّفُوسِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَتْ الْأُمُورُ الْمُقَدَّرَةُ عِنْدَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ لَهَا: خَشِيَ أَنْ لَا تَكُونَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ كَمَا يَنْبَغِي فَكُرِهَ تَمَنِّي لِقَاءَ الْعَدُوِّ لِذَلِكَ، وَلِمَا فِيهِ - إنْ وَقَعَ - مِنْ احْتِمَالِ الْمُخَالَفَةِ لِمَا وَعَدَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ، وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُطْلَقًا لِضُرٍّ نَزَلَ، وَفِي حَدِيثٍ {لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ شَدِيدٌ} ، وَفِي الْجِهَادِ زِيَادَةٌ عَلَى مُطْلَقِ الْمَوْتِ. وَقَوْلُهُ عليه السلام {، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ} مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمَجَازِ الْحَسَنِ فَإِنَّ ظِلَّ الشَّيْءِ لَمَّا كَانَ مُلَازِمًا لَهُ، جُعِلَ ثَوَابُ الْجَنَّةِ وَاسْتِحْقَاقُهَا عَنْ الْجِهَادِ، وَإِعْمَالُ السُّيُوفِ: لَازِمًا لِذَلِكَ، كَمَا يَلْزَمُ الظِّلُّ. وَهَذَا الدُّعَاءُ: لَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ، تُطْلَبُ بِهَا الْإِجَابَةُ: أَحَدُهَا: طَلَبُ النَّصْرِ بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ عليه السلام"مُنْزِلَ الْكِتَابِ"كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَا أَنْزَلْته، فَانْصُرْهُ، وَأَعْلِهِ. وَأَشَارَ إلَى الْقُدْرَةِ بِقَوْلِهِ"وَمُجْرِيَ السَّحَابِ"، وَأَشَارَ إلَى أَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا: بِقَوْلِهِ"، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ"إلَى التَّفَرُّدِ بِالْفِعْلِ، وَتَجْرِيدِ التَّوَكُّلِ، وَاطِّرَاحِ الْأَسْبَابِ، وَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ، وَحْدَهُ هُوَ الْفَاعِلُ. وَالثَّانِي: التَّوَسُّلُ بِالنِّعْمَةِ السَّابِقَةِ إلَى النِّعْمَةِ اللَّاحِقَةِ وَقَدْ
(1) جامع الفقه الإسلامي