هُنَا مُؤَنٌ، أَوْ لِلطَّمَعِ فِي إسْلَامِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ، جَازَ تَاخِيرُهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَالَحَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَخَّرَ قِتَالَهُمْ حَتَّى نَقَضُوا الْهُدْنَةَ، وَأَخَّرَ قِتَالَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَبَائِلِ بِغَيْرِ هُدْنَةٍ ; وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُرْجَى مِنْ النَّفْعِ بِتَاخِيرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُرْجَى مِنْ النَّفْعِ بِتَقْدِيمِهِ وَجَبَ تَاخِيرُهُ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَدْعُو إلَى تَاخِيرِ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ ; لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ} . وَرُوِيَ أَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَزَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، وَبَعَثَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَرِيَّةً} .
أ - (قِتَالُ الْكُفَّارِ) : 5 - قِتَالُ الْكُفَّارِ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، لَكِنَّ الْقِتَالَ يَكُونُ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ وَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ وَإِبَائِهِمْ، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: إنْ كَانَتْ الدَّعْوَةُ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تَبْلُغْ الْكُفَّارَ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الدَّعْوَةُ إلَى الْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْقِتَالُ قَبْلَ الدَّعْوَةِ. وَالدَّعْوَةُ دَعْوَتَانِ: دَعْوَةٌ بِالْبَنَانِ وَهِيَ الْقِتَالُ، وَدَعْوَةٌ بِالْبَيَانِ وَهُوَ اللِّسَانُ وَذَلِكَ بِالتَّبْلِيغِ، وَالثَّانِيَةُ أَهْوَنُ مِنْ الْأُولَى، لِأَنَّ فِي الْقِتَالِ مُخَاطَرَةً بِالرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَلَيْسَ فِي دَعْوَةِ التَّبْلِيغِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا اُحْتُمِلَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِأَهْوَنِ الدَّعْوَتَيْنِ لَزِمَ الِافْتِتَاحُ بِهَا. هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَفْتَتِحُوا الْقِتَالَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَازِمَةٌ، وَالْعُذْرَ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْقَطِعٌ، وَشُبْهَةَ الْعُذْرِ انْقَطَعَتْ بِالتَّبْلِيغِ مَرَّةً، لَكِنْ مَعَ هَذَا الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَفْتَتِحُوا
(1) الموسوعة الفقهية (ج 2 / ص 11829)