وقال ابن العربي: الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} . [1]
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ ; وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ} ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: لَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الْآيَةَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَتْ النَّاسُ فِي تَخْرِيبِ دَارِ الْعَدُوِّ وَحَرْقِهَا وَقَطْعِ ثِمَارِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ; قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. الثَّانِي: إنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا، وَإِنْ يَيْأَسُوا فَعَلُوا ; قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ، وَعَلَيْهِ تَنَاظُرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ لَهُ، وَلَكِنَّهُ قَطَعَ وَحَرَقَ لِيَكُونَ ذَلِكَ نِكَايَةً لَهُمْ وَوَهْنًا فِيهِمْ، حَتَّى يَخْرُجُوا عَنْهَا، فَإِتْلَافُ بَعْضِ الْمَالِ لِصَلَاحِ بَاقِيهِ مَصْلَحَةٌ جَائِزَةٌ شَرْعًا مَقْصُودَةٌ عَقْلًا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ تَأَسَّفَتْ الْيَهُودُ عَلَى النَّخْلِ الْمَقْطُوعَةِ، وَقَالُوا: يَنْهَى مُحَمَّدٌ عَنْ الْفَسَادِ وَيَفْعَلُهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَقْطَعُ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَقْطَعُ، فَصَوَّبَ اللَّهُ الْفَرِيقَيْنِ، وَخَلَّصَ الطَّائِفَتَيْنِ فَظَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ يُخَرَّجُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مَعَهُمْ، وَلَا اجْتِهَادَ مَعَ حُضُورِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ أَخْذًا بِعُمُومِ الْإِذَايَةِ لِلْكُفَّارِ، وَدُخُولًا فِي الْإِذْنِ لِلْكُلِّ بِمَا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالِاجْتِيَاحِ وَالْبَوَارِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} .
وفي بدائع الصنائع: فَصْلٌ): وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْغُزَاةِ الِافْتِتَاحُ بِهِ حَالَةَ الْوَقْعَةِ، وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ [2]
(1) أحكام القرآن لابن العربي - (ج 7 / ص 265)
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 15 / ص 279)