فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 865

، فَالْمُكْرَهُ يُوقِعُ الْفِعْلَ بِقَصْدِهِ إلَيْهِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ تَارَةً يَكُونُ صَحِيحًا سَلِيمًا، إذَا كَانَ مُنْبَعِثًا عَنْ رَغْبَةٍ فِي الْعَمَلِ، وَتَارَةً يَكُونُ فَاسِدًا، إذَا كَانَ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَذَلِكَ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ كِلَاهُمَا شَرٌّ، فَفَعَلَ أَقَلَّهُمَا ضَرَرًا بِهِ، فَإِنَّ اخْتِيَارَهُ لِمَا فَعَلَهُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا صَحِيحًا، بَلْ اخْتِيَارًا فَاسِدًا. وَالْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ هُوَ: الَّذِي يَكُونُ بِمَا لَا يُفَوِّتُ النَّفْسَ أَوْ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ، كَالْحَبْسِ لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَالضَّرْبِ الَّذِي لَا يُخْشَى مِنْهُ الْقَتْلُ أَوْ تَلَفِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ. وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَا وَلَكِنْ لَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ اضْطِرَارِ الْمُكْرَهِ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِ مَا هُدِّدَ بِهِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ.

17 -أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَلَمْ يُقَسِّمُوا الْإِكْرَاهَ إلَى مُلْجِئٍ وَغَيْرِ مُلْجِئٍ كَمَا فَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ، وَلَكِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْإِكْرَاهُ وَمَا لَا يَتَحَقَّقُ، وَمِمَّا قَرَّرُوهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ يُؤْخَذُ أَنَّهُمْ جَمِيعًا يَقُولُونَ بِمَا سَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا، أَمَّا مَا يُسَمَّى بِالْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ، وَيُعْتَبَرُ إكْرَاهًا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ، فَمِنْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ إكْرَاهًا فِيهِ: الْكُفْرُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ، وَالْمَعْصِيَةُ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ، كَالْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ، وَالزِّنَى بِامْرَأَةٍ مُكْرَهَةٍ أَوْ لَهَا زَوْجٌ، وَسَبِّ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ أَوْ صَحَابِيٍّ، أَوْ قَذْفٍ لِمُسْلِمٍ. وَمِنْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ الَّذِي يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ إكْرَاهًا فِيهِ: شُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَالطَّلَاقُ وَالْأَيْمَانُ وَالْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَالْآثَارِ.

أَثَرُ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:[1]

(1) الموسوعة الفقهية (ج 2 / ص 2.24)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت