فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 865

اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ مِنْ الْكُفَّارِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْجِزْيَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: {لَا يُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ، وَتُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ، وَمِنْ سَائِرِ كُفَّارِ الْعَجَمِ الْجِزْيَةُ} . وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: {أَنَّهُ تُقْبَلُ مِنْ الْجَمِيعِ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ} وَقَالَ مَالِكٌ فِي الزِّنْجِ، وَنَحْوِهِمْ: {إذَا سُبُوا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ} . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: يُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ عَلَى الصَّلَاةِ،، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَهْلَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الْعَرَبُ لَا يُسْبَوْنَ، وَهَوَازِنُ سُبُوا ثُمَّ تَرَكَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: {لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا}

بَابُ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ:[1]

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} إلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فَكَانَ مَعْقُولًا مِنْ فَحَوَى الْآيَةِ، وَمَضْمُونِهَا أَنَّ الْجِزْيَةَ مَاخُوذَةٌ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ لِاسْتِحَالَةِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ بِقِتَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، إذْ الْقِتَالُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقَاتِلًا لِصَاحِبِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ الْجِزْيَةَ مَاخُوذَةٌ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَمَنْ يُمْكِنْهُ أَدَاؤُهُ مِنْ الْمُحْتَرِفِينَ ; وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: مَنْ كَانَ أَعْمَى أَوْ زَمِنًا أَوْ مَفْلُوجًا أَوْ شَيْخًا كَبِيرًا فَانِيًا، وَهُوَ مُوسِرٌ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ ; وَهُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنَّ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ إذَا كَانُوا مُوسِرِينَ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ

(1) أحكام القرآن للجصاص - (ج 6 / ص 49.)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت