وإنَّما يتعيَّن الجهاد على المرأة إذا خشيت على عرضِها ونفسها من جهة دفع الصائل، فيجبُ عليها أن تدفع عن نفسها ولا يجوز لها الاستئسار في هذه الحال، بل يجب عليها القتالُ كما نصَّ عليه جماعةٌ من أهل العلم، فهنا يُقال: إنَّ هذا هو فرض العين الذي لا طاعة لزوجها فيه.
وقد سألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل على النساء جهاد؟ فقال:"جهادكنَّ الحجُّ والعمرة"، فدلَّ على أنَّه لا يجبُ عليهنَّ من الجهاد ما يجبُ على الرِّجال، والنساءُ أولى من الأعرجِ ونحوه بالعذر، لما في طبيعتهنَّ من الضعفِ والجبنِ، وهذا حكمٌ مجمعٌ عليه.
وليس معنى هذا تحريم الجهادِ على المرأةِ كما ذهبَ إليهِ بعضُ المتأخِّرين، بل هو جائزٌ لها غيرُ محرَّمٍ عليهَا، وحديثُ عائشةَ إنَّما سألت فيه عن الوجوب لا الجواز، فلم تقل هل للنساء أن يُجاهدن؟ وإنَّما قالت: هل على النساء جهاد؟
وفي الصحيحين أنَّ أم حرام ابنة ملحان قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ادعُ الله أن يجعلني منهم، في حديث القوم الذين يركبون البحر في سبيل الله، فدعا لها بذلك، وكان جماعةٌ من النساء يخرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته يسقين ويداوين الجرحى، منهنَّ عائشة الصديقة بنتُ الصديق، وأم سُليطٍ الأنصارية، وأمُّ سليم الأنصاريَّة، والرُّبيّع بنتُ معوَّذ، وأمُّ عطيَّة الأنصاريَّة.
وهذا كله فيه خروجهنَّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خدمة المجاهدين وإعانتهم، وليس فيه دخولهنَّ القتالَ ولا نهيٌ لهنَّ عن ذلك، وسقوطه القتال عنهنَّ رخصةٌ لضعفهنَّ، وهذا لا يحرِّمه عليهنَّ؛ فيُقاتلن مع الضعف كالأعمى والأعرج والمريض، والله أعلم.