سُفْيَانَ رضي الله عنه: لَا تَقْطَعُوا شَجَرًا وَلَا تُخَرِّبُوا وَلَا تُفْسِدُوا ضَرْعًا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} الْآيَةُ وَتَاوِيلُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله تعالى فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ {أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه كَانَ أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ الشَّامَ تُفْتَحُ لَهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: إنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ} فَقَدْ أَشَارَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إلَى ذَلِكَ فِي وَصِيَّتِهِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ وَمُمَكِّنٌ لَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا فِيهَا مَسَاجِدَ فَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْكُمْ أَنَّكُمْ تَاتُونَهَا تَلَهِّيًا فَلَمَّا عَلِمَ أَنْ ذَلِكَ كُلَّهُ مِيرَاثٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَرِهَ الْقَطْعَ وَالتَّخْرِيبَ لِهَذَا. ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ رحمه الله تعالى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِ بَنِي النَّضِيرِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَادَوْهُ مَا كُنْت تَرْضَى بِالْفَسَادِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَمَا بَالُ النَّخِيلِ تُقْطَعُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} الْآيَةُ وَاللِّينَةُ النَّخْلَةُ الْكَرِيمَةُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ {وَأَمَرَ بِقَطْعِ النَّخِيلِ بِخَيْبَرَ حَتَّى أَتَاهُ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَالَ: أَلَيْسَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ لَك خَيْبَرَ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: إذًا تَقْطَعُ نَخِيلَك وَنَخِيلَ أَصْحَابِك فَأَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ} {وَلَمَّا حَاصَرَ ثَقِيفًا أَمَرَ بِقَطْعِ النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلُوا يَقُولُونَ الْحُبْلَةُ لَا تَحْمِلُ إلَّا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَا عَيْشَ بَعْدَ هَذَا} فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُمْ يُذَلُّونَ بِذَلِكَ وَأَنَّ فِيهِ كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُمْ وَقَدْ أُمِرْنَا بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ} {وَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَوْطَاسٍ يُرِيدُ الطَّائِفَ بَدَا لَهُ قَصْرُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ النَّضْرِيِّ فَأَمَرَ بِأَنْ يُحَرَّقَ} وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رضي الله عنه وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ فَهَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ رحمه الله تعالى يَقُولُ: هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ أَسِيرٌ مُسْلِمٌ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ التَّحْرِيقُ وَالتَّغْرِيقُ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فَرْضٌ