ولا نعلم لأولئك المعاصرين سلفًا فيما ذهبوا إليه من عدم نسخ المراحل السابقة إلا ما ذكره الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة (794) في كتابه البرهان في علوم القرآن، وما ذكره الحافظ السيوطي المتوفى سنة (911) في كتابه الإتقان في علوم القرآن.
أما الزركشي فقد قال: (( قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب ... الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسء كما قال تعالى: «أو ننسئها» فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقتٍ ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا، وإلى هذا أشار الشافعي في الرسالة إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة [1] ثم ورد الإذن فيها فلم يجعله منسوخًا بل من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي، ومن هذا قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم» الآية، كان ذلك في ابتداء الأمر فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(1) الذي بالمطبوعة (من أجل الرأفة) وما أثبته أصوب لأن المقصود هو قوله صلى في الحديث المشار إليه: (إنما نهيتكم من أجل الدافة) والحديث أخرجه مسلم (1971) وأبو داود (2812) والنسائي (7/ 235) من حديث عائشة، والمراد بالدافة هنا قوم من ضعفاء الأعراب وفدوا إلى المدينة للمواساة. [انظر شرح صحيح مسلم للنووي (7/ 148) ] .
والمقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) عاد الحكم )) (1) .