الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس ... ومناقضة قوله لهم كفوا أيديكم عن القتال لقوله (قاتلوهم) ،كما قال تعالى: «ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية» . (النساء: 77) ،فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم، فأما قوله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» (النحل:125) ،وقوله: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم» . (العنكبوت:46) ،فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم، ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة )) [1] .،ثم ذكر رحمه الله وجوهًا في الجمع بين الأمر بالجدال والأمر بالقتال قال في آخرها: (( الوجه الخامس هو أن يقال إن المنسوخ هو الاقتصار على الجدال ) ) [2] .
ومع أن النصوص الشرعية قد دلت على نسخ المراحل السابقة على مرحلة الأمر بالبدء بقتال الكافرين إلا أننا قد وجدنا من المعاصرين من يقول: إن هذا ليس من باب النسخ، وإن أحكام الجهاد التي وردت بها النصوص كلها محكمة، وإنما هي أحكام مرحلية يلزم اتباع كل منها عند وجود الظرف المشابه للمرحلة التي نزلت فيها [3] ، ثم يبني البعض على ذلك أنه بما أننا الآن في عصر استضعاف يشبه العصر المكي فإنه يلزمنا العمل بأحكامه من العفو والصفح وعدم القتال.
(1) الجواب الصحيح: (1/ 66) .
(2) المصدر السابق: (1/ 74) .
(3) من أولئك المعاصرين رشيد رضا في تفسير المنار (1./ 166) ،والزرقاني في مناهل العرفان (2/ 15.) .