فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 865

ويحترم المسلمون أشد احترام بنود المعاهدات مع الأعداء إلى أن ينقضوها، أو يحاربوا المسلمين، أو يناصروا دولة معادية للإسلام. ولانجد كالإسلام نظامًا يقدس المعاهدات، للوصايا القرآنية المتكررة في هذا الشأن مثل قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ} [النحل: 16/ 91] ، وقال تعالى واصفًا المؤمنين: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ} [الرعد: 13/ 2.] ، وأشد من هذا تقديم الوفاء بالعهد على مناصرة فئة إسلامية تعرضت لعدوان، وذلك في قوله سبحانه: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ} [الأنفال: 8/ 72] . ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم القاطع بقوله محذرًا من نقض العهد أو الغدر فيما يرويه الترمذي والبيهقي وغيرهما: (( لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة ) ). وأقر النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته ما تحالف عليه أهل الجاهلية العربية في حلف الفضول الإنساني لنصرة المظلوم، وحماية زائري مكة المكرمة وحجاج البيت الحرام، فقال: (( لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدْعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعي به في الإسلام لأحببت ) ) (1) .

وعلى الصعيد الداخلي أبرم النبي صلى الله عليه وسلم مع طوائف المدينة المنورة بعد الهجرة ميثاق الصحيفة لتحقيق الأمن والاستقرار والتعايش الديني، ومما جاء في نص هذه المعاهدة الرائعة: (( وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ... ) ) (2) .

وحينئذ لايحل شرعًا الإخلال بمقتضى العهد أو إيذاء معاهد، أو إلحاق الظلم به، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو داود والبيهقي: (( ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة ) ).

وليس المعاهدون الذميون مواطنين أو رعايا من الدرجة الثانية كما يزعم بعض المستشرقين، وإنما هم في الحقوق والواجبات التي تقتضيها المواطنة سواء مع المسلمين.

والحقيقة السابعة: أن مشروعية الجهاد في الإسلام ليست كما قد يتوهم الأعداء قائمة على الحروب الدائمة أو الهجوم الظالم، وإنما هي مقيدة بوجود مقتضيات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت