والحقيقة الخامسة: أن الباعث على قتال الأعداء ليس هو بسبب مخالفتهم للإسلام في العقيدة أو الكفر، وإنما بسبب محاربتهم المسلمين، واعتدائهم المستمر على حرمات الإسلام وديار المسلمين، فلايباح قتل إنسان لمجرد مخالفتهم للإسلام، وإنما يقتل بسبب اعتدائه أو عدوانه أو تحديه أو تآمره على المسلمين، كتآمر جيوش الصليبيين على المسلمين ومحاولة استئصال الوجود الإسلامي في القرن السادس الهجري أو الثاني عشر الميلادي، وكذلك حروب التتار والمغول ووحشية أهلها الضارية وإسقاط الخلافة الإسلامية في بغداد عام 656هـ، ومثل مجازر الصهاينة في فلسطين العربية المسلمة في النصف الثاني من القرن العشرين وعلى مدى 53سنة وإلى الآن، وحروب الهنود ضد المسلمين في كشمير وبنغلاديش والباكستان، ومحاولة تفتيت الأعداء وحدة بلاد أو جزر إندونيسيا من طريق التنصير وتأليب غير المسلمين على المسلمين، ومحاولة الانفصال كما حدث في ولاية تيمور الشرقية منذ عامين، وكما حصل في السنوات الأخيرة في البوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدونيا وأرتيريا.
وليس أدل على هذا الاتجاه الفقهي لدى أغلبية الفقهاء المسلمين في تقرير هذه الحقيقة من احترام مبدأ التعايش الديني بين المسلمين وغيرهم في مظلة دولة واحدة، وتحريم الاعتداء على المدنيين من نساء وأطفال ورهبان وفلاحين، ومنع كل مايدمر مظاهر الحضارة والمدنية من تهديم المنازل، وقطع الأشجار، ومصادرة أراضي المسلمين ظلمًا وبهتانًا، وتشريد السكان كالحاصل الآن في فلسطين المحتلة.
والحقيقة السادسة: أن التوصل إلى السلام مع المسلمين يكون إما بالدخول في الإسلام، وإما بتنظيم أصول السلام العادل بمعاهدة كمعاهدة الانضمام إلى الدولة الإسلامية تحت مظلة (عقد الذمة) أي الضمان والعهد والأمان، ومعاهدة الصلح المؤقت (الهدنة) أي الصلح المتجدد لمدة طويلة كعشر سنوات فأكثر مثل صلح الحديبية، وإما بالوقوف على الحياد، كحالة أثيوبيا (الحبشة) في العهد النبوي، وحالة بلاد النوبة (السودان بالمعنى الواسع) في عهد حاكم أو والي مصر عمرو بن العاص، وحالة قبرص في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه عام (28هـ/648م) .