ونبذ العهد، أي نقضه مشروط بظهور أمارات الخيانة من الأعداء، لقوله تعالى: {وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ} [المائدة: 8/ 58] أي أعلمهم بانتهاء المعاهدة، حتى يكونوا أنتم وهم متساويين في العلم بنقض العهد، وإنهاء السلام، والاحتكام إلى القتال، وهذه حالة طارئة لاتعكر ضرورة العودة، إلى مائدة المفاوضات، وإيثار السلام على الحرب، ففي السلام صون الدماء، والحفاظ على حق الحياة للمسلم وغير المسلم مطلب ضروري ومقصد مهم جدًا من مقاصد الشريعة ومن أصولها وقواعدها الكبرى.
والحقيقة الرابعة: أن الإسلام دعوة الحق والخير والتوحيد والعدل والإحسان والفضيلة هو: دعوة ذات نزعة عالمية، يود الانتشار في العالم، من أجل خير البشرية نفسها، ومن أجل إنقاذ الشعوب والأمم من حمأة الفوضى والكفر، والضلال والانحراف، وليس هو ذا نزعة عنصرية أو إقليمية، أو استعمارية لسلب خيرات الأمم، قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (( إن الله بعث محمدًا بالحق هاديًا، ولم يبعثه جابيًا ) ). ولكن الرغبة في الامتداد العالمي لاتعني مطلقًا فرض نظامه بالقوة أو القهر أو الإكراه، وإنما بالإقتناع الذاتي، والقبول المنطقي، والرضا بقواعد الإسلام ومبادئه الإنسانية العظمة في الحرية والمساواة، وإشاعة الحب والود، ونشر ألوية السلام في العالم، كما جاء في آية قرآنية كريمة: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 3/ 1.4] .
والرغبة في نشر الإسلام ليس كنظام العولمة المعاصرة: الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة على الاستكبار وإنكار وجود الآخرين، وإلحاق الجور والظلم بالضعفاء والمستضعفين، وإنما هي عرض مضامين الوحي الإلهي المتمثل بالقرآن والسنة النبوية، بالأسلوب الحسن والحوار البنّاء، والجدل بالتي هي أحسن، لقوله تعالى: {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 29/ 46] فمن شاء آمن ومن شاء كفر وبقي على دينه وتقاليده ومعتقداته، فلايمس ولا يلحق به أدنى جور أو ظلم.