أو شيمة من لايخشى الله، ولايعتقد بأن البشرية كلها عباد الله، وصبغته وصنعه: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ} [البقرة: 2/ 138] .
ويصرح النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بقوله - في الصحيحين عن أبي هريرة: (( لاتتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ) ).
وبناء عليه، تكون الحقيقة الثالثة وهي أن الأصل (القاعدة أو المبدأ العام) في العلاقات الخارجية أو الدولية بين المسلمين وغيرهم هو السلام، والحرب استثناء أو ضرورة طارئة، وهذا مقرر لدى مختلف الفقهاء من المذاهب: أهل السنة وغيرهم، بدءًا من أواخر القرن الهجري الأول والقرن الثاني: عصر الاجتهاد الفقهي.
لكن إذا اغتصب الأعداء أرضًا إسلامية، أو تآمر غير المسلمين الخاضعين لمظلة الدولة الإسلامية على إجداث الفتن الداخلية أو محاولة الانفصال والانشقاق، فلايصح للمسلمين اللجوء إلى المسالمة، بل لابد من استرداد الحق بالقوة، والحفاظ على وحدة البلاد ووحدة الأمة من المسلمين وغير المسلمين، لأن القبول بالغضب ذلة ومهانة، والرضوخ لأراجيف الأعداء ومؤامراتهم وتحركاتهم المشبوهة لون من الهزيمة والضعف أو الاستضعاف، وهذا مناف لمبدأ الكرامة الإنسانية، وعزة النفس، وصون الحقوق والمكاسب، وحينئذ ينقض عهد المعاهدين، ويحتكم إلى السلاح بإشراف الدولة، لا بالمجازر الدموية الشخصية أو الفئوية أو الطائفية، فهذا وهو إدارة الحروب وإعلانها، وإنهاء المعاهدة، وترتيب استراتيجية الدفاع، منوط بإرادة الحاكم أو الدولة، وليس للأفراد بل ولا يحق لهم شرعًا اللجوء إلى الفتن الداخلية والاقتتال المحلي، لما فيه من فوضى، وهمجية، وتخريب وتدمير، وقتل بغير حق، وارتكاب الظلم، وإلحاق الأذى بالناس من غير زاجر ولا رداع ولانظام، فالنظام والتزامه أساس لإقرار الحريات والحقوق واحترام العدل، ومنع الظلم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ} [النحل: 16/ 9.] ، وقال سبحانه: {ِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} [المائدة: 5/ 8] ، أي لايحملنَّكم بغض قوم على ترك العدل معهم.