من جميع وجوهها، وصارت ديانتكم ديانة لها استقلاليتها، وذاتيتها، وفرديتها، وصارت لكم بذلك تسميتكم الخاص بين الأمم والديانات: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة 152) ، فكلما صلّيتم إلى قبلتكم إذن اذكروا هذه النعمة من الله، واشكروه عليها، وعن زيد بن أسلم أنّ موسى عليه السلام قال: يا ربّ كيف أشكرك؟ قال له ربّه: «تذكرنى ولا تنسانى، فإذا ذكرتنى فقد شكرتنى، وإذا نسيتنى فقد كفرتنى» ، وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: «من ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» ، وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عزَّ وجل: يا ابن آدم إن ذكرتنى في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتنى في ملأ ذكرتك في ملأ خير منه، وإن دنوت منى شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت منى ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتنى تمشى أتيتك هرولة» ، نعمة من الله أي نعمة، نشكره عليها، ونصلى له إليها. ومن الله المنة وله الحمد.
السبت في العبرية والعربية والسريانية هو اليوم بين الجمعة والأحد، وهو الدهر أيضا، ومنها السبتة أي البرهة من الزمان، بمعنى استراح، والكلمة أرسخ في العربية ويتخارج منها نحو خمس وعشرين لفظة بمعان مختلفة، وليس الأمر كذلك في العبرية ولا في السريانية. ويأتي السبت بمشتقاته في القرآن تسع مرات. وفي التوراة لا يأتي السبت إلا في معنى واحد هو يوم الراحة بين الجمعة والأحد، ومع ذلك فإن معنى السبت في اللغة يقتضى فعلا أن يكون يوم الراحة، لأنه اليوم الذي يكون به السبوت من أيام الأسبوع، فأما الأحد: فهو اليوم الأول من أسبوع العمل بعد الراحة؛ والاثنين اليوم الثاني، والثلاثاء الثالث؛ والأربعاء الرابع؛ والخميس: الخامس؛ فأما الجمعة فهو يوم الجمع أي الصلاة جماعة، ويوم العيد عند المسلمين من أيام الأسبوع. وفي اليهودية السبت يوم مبارك، ويأتي في سفر التكوين: «لذلك بارك الله يوم السبت وقدّسه، ولأن فيه استراح الربّ من جميع أعماله» (الفصل الثاني / 1 - 3) ، ويعادل ذلك في القرآن قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (الأعراف 54) ، إلا أن معنى الاستراحة هذا في التوراة ليس في القرآن، وإنما في القرآن أن الله انتهى من الخلق في ستة أيام، ثم إنه تعالى استوى على عرش الوجود، بمعنى أنه صار له الملكوت والتمكّن، وآل إليه أمر كل شيء، يعنى به ويتصرف فيه، فالنهار أتبعه بالليل، وسخّر