فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 2524

في الحديث: «إنما مثلى ومثل أمتى، كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقع فيه، وأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقحمون فيه» ، ومعنى بحجزكم أي يمنعهم عنه، وهذا مثل لاجتهاده صلى الله عليه وسلم في نجاة أمته، وحرصه على تخليصهم من الهلكات، فوصفه ربّه فقال: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (6) (الأحزاب) ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين، فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته» ، فإن ترك المتوفى مالا يسلّم لورثته، وإن ترك دينا قضاه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه هي الولاية - من أولى المذكورة في الآية بمعنى نصر، وبتفسيره صلى الله عليه وسلم بمعنى أدعى وأحفظ لهم من أنفسهم، وفي الأمثال: لا عطر بعد عروس، وهو أولى بهم من أنفسهم، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة، وهذه هي ولاية النبوة، وإن شئت فهي الأبوة الدينية.

قال المنافقون في النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أذن، يعني سماع لكل أحد، وكانوا يبسطون ألسنتهم بالوقيعة في أذيته، فيقولون: إن عاتبنا حلفنا له فيصدّقنا ويقبل منّا، فإنه أذن سامعة. والإنسان الأذن هو الذي يسمع كلام كل أحد، وقد ردّ الله عليهم فقال: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (61) (التوبة) ، فأمّن الله تعالى على قولهم، واستثنى فقال هو أذن خير لا أذن شر، فيسمع الخير ولا يسمع الشر، وهو يستمع للمؤمنين ولا يصدق الكافرين، وسماعه للمؤمنين رحمة لهم.

الرسالة بلاغ، والنبيّ صلى الله عليه وسلم أتم الحجّة على المشركين، بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) (46) (سبأ) ، والواحدة التي يعظهم بها، وينصحهم أن يأتوها، هي أن يتفكّروا، سواء أكانوا وحدهم أم مع غيرهم، هل جرّبوا على صاحبهم الذي يدعوهم إلى الإسلام، كذبا، أو رأوا فيه جنونا أو انحرافا، أو شاهدوا عليه فسادا، أو وجدوه يختلف إلى من يدّعون العلم بالسحر أو القصص، أو عرفوا فيه الطمع إلى المال، أو قدروا على معارضته ولو بسورة واحدة؟ فإذا تحققوا من صدق ما يقول، فلماذا العناد وهو ليس إلا نذيرا بما ينتظر الكافرين من العذاب الشديد؟ وقيل: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت