وإنه لأمر جلل أن ننسب إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه، ونحسب أننا بذلك نكرمه، أو نجلّه، أو ننزله المنزلة الواجبة، والرسول صلى الله عليه وسلم من كل ذلك براء.
عن عائشة رضى الله عنها أن قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (164) كان للعرب خاصة»، وقال آخرون: الآية لكل المؤمنين أينما كانوا، ينبّههم أن نبيّهم صلى الله عليه وسلم من أنفسهم، أي واحد منهم، وبشر مثلهم، وإنما امتاز عليهم بالوحي، وخصّ المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به، فالمنّة عليهم أعظم.
في الحديث: «وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» أخرجه مسلم. يعني اصطفاه الله خليلا، والخليل هو الذي يوالى في الله، ويعادى في الله، والنبيّ صلى الله عليه وسلم كانت هذه أبرز صفاته، فلما اتخذه الله خليلا استحال عليه أن يشرك في نفسه أحدا مع الله، فقال: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» أخرجه مسلم، يعني لم يكن له خليل إلا الله، شأنه شأن إبراهيم الخليل: (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) (125) (النساء) .
الدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» أخرجه مسلم، أي: لو كنت مختصا أحد بشيء، لاختصصت أبا بكر، وفي هذا ردّ على من زعم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم اختص بعض الصحابة - وبالتحديد عليا - بشيء من الدين.
لمّا أصرّوا على تكذيب النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنزل الله تعالى عليه سورة الأنعام، يسلّيه عن تكذيب من كذبه، فصار خطابه له «بقل» تتكرر كل حين، ومن ذلك: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) (14) (الأنعام) ، يعني الأول من هذه الأمة، كقول موسى: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (143) (الأعراف) ، والإسلام هو أن تسلم أمرك لله، وأول المسلمين يعني أول من يسلم أمره لله، وزيد له الأمر وضوحا فقيل له أن يقول: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) (الأنعام