فلا تدرى ما قبلها من دبرها من كثرة الشعر! والقصة برمتها كأنها من ألف ليلة وليست من الدين، ولا تخبر عن شيء من عقيدة الإسلام، وواضح أن أهل الكتاب وعلى رأسهم تميم الداريّ هذا أرادوا بغرس قصة الجسّاسة ضمن البناء الديني الإسلامي، أن يحيدوا بالإسلام إلى الأساطير والخرافة، ويطمسوا فيه الصفة العقلانية الواضحة، حتى ليكاد القرآن يكون كتابا في العلم وليس في الدين، الأمر الذي يؤكد أن أمثال هذه الأحاديث مدسوسة، ولم يكن تميم في حديث الجسّاسة إلا قصّاصا مدلّسا وليس محدّثا كالمحدّثين. فلتحذر يا أخي أشباه تميم، وأمثال قصتي الجسّاسة والدجّال!
فالسّور المكية لها أسلوب، والسّور المدنية لها أسلوب؟
الذين ادّعوا ذلك فسّروا ادّعاءهم بأن المناخ النفسي العام في مكة لم يكن هو نفسه مناخ المدينة، وكذلك ثقافة مكة ليست كثقافة المدينة، والتكوين السكانى لأهل مكة ليس هو التكوين السكانى لأهل المدينة، ومن ثم اختلف تفكير الاثنين، وكان لا بد أن تأتي آيات القرآن وقد طبعها ذلك التباين، ولذلك كانت الآيات المكية فيها العذاب والقسوة، والشدّة والعنف والحدّة، والوعيد، والتهديد، من أمثال قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (1) (المسد) ، وقوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ) (13) (الفجر) ، والمقصود بذلك أن يثبتوا أن مؤلف القرآن هو محمد، وأنه تأثر بطريقة استقبال الناس له، وانعكس ذلك على كلامه معهم، والصحيح أن القرآن في مكة هو القرآن في المدينة، فما قالوا إنه قسوة وشدة في الآيات في مكة، إنما مثله في المدينة، ففي سورة البقرة وهي مدنية يجيء أيضا قوله تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (البقرة 24) ، والشبه قائم بينها وبين الآيات المكّية والأسلوب واحد، سواء في مكة أو في المدينة، ولكن الموضوعات اختلفت، لأنه في مكة كان الانشغال بالدعوة وتقرير مبادئ الإسلام، وأما في المدينة فالاهتمام بالتشريع، وفي الحالتين كان لا بد من مراعاة أحوال المخاطبين أو حاجاتهم. ورغم قولهم أن الآيات المكية فيها قسوة فإنها تخلو من الحضّ على القتال، وتأمر بالتسامح والعفو والصبر الجميل، وبردّ الإساءة بالحسنة، والقول بالأحسن، بينما في الآيات المدنية شرّع القتال، واستنفر المسلمون للجهاد، ومن ثم تتهافت هذه الشبهة كتهافت غيرها.
قالوا في الطعن على القرآن: أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميا في مكة وبين أمّيين، فكانت