فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 2524

لمّا نزلت آية الحجاب في حقّ زوجاته صلى الله عليه وسلم تقول: (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) (53) (الأحزاب) ، سأل الآباء والأبناء والأقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن - أي زوجاته - من وراء حجاب؟ فنزلت الآية: (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (55) (الأحزاب) ، فبيّنت أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كقوله تعالى في سورة النور: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (31) (النور) ، والآيتان الأولى والثانية تتكاملان، والثانية فيها زيادة عن الأولى، وبلغ عدد المحارم في الآيتين ثلاثة عشر، وهؤلاء يجوز للمرأة أن تظهر عليهم بزينتها من غير تبرّج، في الآية الأولى منهم سبعة، وفي الثانية ستة علاوة على ما في الأولى، ومن ثم كانت الآية الأولى بعض الآية الثانية، ولا تعارض

ألبتة بين الآيتين. ومعنى: (وَلا نِسائِهِنَ) في الآية الأولى: عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات. و (ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ) هنّ الخادمات الإناث؛ و (وَاتَّقِينَ اللهَ) أي في الخلوة والعلانية، لأنه الشهيد لا تخفى عليه خافية. وفي الآية الثانية: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ) كالأجراء والشغّالين، فهؤلاء لا همّة لهم إلى نساء أسيادهم ولا يشتهونهنّ؛ (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) ، لصغرهم فلا يفهمون عن أحوال النساء شيئا؛ فهؤلاء الثلاثة عشر هم محارم زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم مثلما عند سائر المؤمنات.

تخصّ آية الحجاب نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتقول للمؤمنين: (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) (53) (الأحزاب) ، ورووا في أسبابها عدة آراء، فالأمر فيما دعا إليها ليس مؤكدا ولكنه على الاستحسان، فقال أنس بن مالك وجماعة: أن سببها قعود بعض الثقلاء في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد دعا الناس، فلما طعموا جلس بعضهم يتسامرون، بينما ولّت زينب وجهها إلى الحائط، فثقلوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم. ولمّا خرجوا أخيرا أخبر أنس النبيّ صلى الله عليه وسلم بخروجهم، وكان أنس في خدمته، فانطلق النبيّ حتى دخل البيت، وذهب أنس يدخل معه، فحجزه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وألقى الستر بينهما، ونزل الحجاب. وعند الثعلبي من أقوال عائشة: أن سبب آية الحجاب أن عمر بن الخطاب، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن؟ فنزلت الآية. وفي الصحيح عن ابن عمر: أن عمر وافق ربّه في ثلاث (يعني أنه طلب ذلك ولبّت السماء طلبه) : في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. ويروى ابن مسعود رواية مختلفة، فيقول: إن عمر أمر نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب له: يا ابن الخطاب! إنك تغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا! - يقول: فأنزل الله آية الحجاب! ومن الروايات أيضا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه ومعهم عائشة يأكلون، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب.

وهذه الروايات كما ترى واهية، كالقول بأن عمر هو الذي أمر نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن، أو القول بأنه أمرهنّ بالحجاب وجادلته زينب في ذلك، (وهذا يعني أن الحجاب نزل بعد عرس زينب) ، أو القول بأن عائشة وهي تأكل لامست يد رجل، وقيل هو عمر نفسه. وأمثال هذه الروايات ضعيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت