فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 2524

والمؤكد أن: الآية نزلت في صبيحة عرس رسول الله من زينب، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة من الهجرة. ويقول أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حجرته فمكث يسيرا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج يتلو هذه الآية وآيات أخرى.

وتشرح الآية نفسها في السياق العام لما قبلها ولما بعدها، وما قبلها كان قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ) ، وقوله: (وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) ، وقوله: (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) ، فنهاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلا لهذا السبب، فإذا انتهوا فليستأذنوا، فإن بقاءهم لأكثر من ذلك كان يشق عليه ويتأذّى به، وكان يكره أن ينهاهم من شدة حيائه، فلهذا نزل النهي. وكما نهاهم عن الدخول على نسائه، نهاهم عن النظر إليهنّ، فإن استوجب الأمر الحديث معهنّ لحاجة، فليكن هذا الحديث دون التنظّر، وليكن ذلك من وراء حجاب. ويذكر القرآن السبب في الحجاب: (ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) ، فأمرهم بحفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، ووجوب الاحترام، فإذا أذن لهم فليدخلوا على وجه الأدب، وحفظ أحكام الحضرة، فإذا طعموا فلينتشروا فإن حسن خلقه كان يجرّهم إلى المباسطة والتنظّر إلى نسائه، ولذلك نزلت آية الحجاب؛ والحجاب: هو الستر، وهو أطهر للطرفين، فالنفس أمّارة بالسوء، ولهذا كان التشديد منه صلى الله عليه وسلم، بألّا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمة. وما نريد أن ننبّه إليه هو: أن الحجاب هنا لا يعني الخمار يغطى الرأس كما هو شائع عند العامة، وليس هو النقاب، ولكنه «الستر» يتكلّمن من خلفه. ثم إنه خاص بزوجات النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأما ما يخصّهنّ ويخصّ زوجات المؤمنين وبناتهم فهو آية الجلابيب التي تقول: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (59) (الأحزاب) ، والخطاب لكل هؤلاء، فهو عام ولا يخص فئة بعينها، والجلباب: هو الرداء فوق الخمار، يكون بمنزلة الإزار اليوم؛ وزيادة التكاليف بالحجاب على نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، إنما لزيادة المكانة والشرف من الدعوة، فكلما زادت المكانة كلما زادت التكاليف، فخصّ جميع النساء بآية الجلابيب، وخصّ نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بآية الحجاب، ولكل منهما أسبابه المطروحة في الآية نفسها، وهو ما نسميه بأسباب النزول. ولا يدخل في آية الحجاب جميع النساء بالمعنى كما قيل، فذلك تحميل للآية فوق ما تحتمل، وإنما جميع النساء تخصّهنّ آية الجلابيب، ولقد توفى نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم اللاتى كانت الآية تشملهنّ، وأما نساء المؤمنين فهنّ باقيات ما بقيت الدنيا، وسبب نزول آية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت