فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 2524

الضعفاء، فقدّموا، وأخّر الدّين، لأنه حظ الأقوياء الأغنياء، والدائن صاحب قوة وسلطان ومعه القانون، والوارث مسكين وأمره متروك للوصية. وأيضا فإن كتابة الوصية مكلف بها الموصى، وهو ينشئها من قبل نفسه، فلذلك قدّمت، وأما الدّين فثابت وسيؤدّى حتما فأخّر.

قالوا في قوله تعالى: (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) (102) (النساء) أن المقصود بالآية النبيّ صلى الله عليه وسلم، فليس عليهم بعده صلى الله عليه وسلم «صلاة الخوف» ، لأن الخطاب في الآية كان خاصا به وحده، بقوله تعالى (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ) ، و (مَعَكَ) ، فإذا لم يكن فيهم ومعهم لم يكن لهم ذلك، لأنه لا أحد مثله منهم، وكانوا جميعا يتمنون أن يأتمّوا به ويصلّوا خلفه، وليس أحد يقوم في الفضل مقامه بعده.

والردّ على هؤلاء: أن الخطاب صحيح للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكنه يتناول الأئمة بعده إلى يوم القيامة، ومثله قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (103) (التوبة) ، فهل تسقط الصدقة بعده؟ أو أن المكلّف بها بعده هم أولو الأمر؟ وكذلك هذه الصلاة وسائر العبادات التي كان الخطاب فيها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، لا تسقط بوفاته. وقد أمرنا باتباعه والتأسّى به، فقال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) (63) (النور) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتمونى أصلى» أخرجه البخاري، فلزم اتّباعه. ولو كان ما قالوه دليلا على الخصوص، للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ كان يلزم أن تقتصر الشريعة على من خوطب بها، وفي قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (103) لا توجب الاقتصار على النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده، فكان من بعده من قام مقامه.

479 -في معنى قوله تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها(6 ) ) (هود)

ظاهر الآية العموم، ومعناها الخصوص، والكثير من الدواب تهلك قبل أن ترزق، إلا أن الرزق أشمل وأعمّ من أن يقتصر على كل دابة لا ترزق ما تتعيش به، فقد رزقنا الأعضاء، والفطرة، والحيلة التي يمكن بها أن نتحصل الرزق، فعلى العصفور أن يطير إلى الجرن ليجد رزقه فيه، وإلا فسيموت في عشّه، والله تعالى أعدّ للجميع أرزاقهم. والدابة هي كل حيوان يدبّ، والرزق حقيقته ما يتغذى به الحيّ ويكون فيه بقاؤه ونماؤه. وقد قيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت