يقدر على البعث الأول، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (57) (الأعراف) ، والرياح المبشّرة هي التي تبشّر بالمطر، والبلد هو الموضع من الأرض، تصفه الآية بأنه ميّت، أي غير عامر لا يسكنه أحد، فإذا سقط عليه المطر أخرجت أرضه الثمرات، فيأتي الناس ويعمر بهم، فمثل ذلك إحياء الموتى وإخراجهم من القبور. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادى قومك جدبا، ثم مررت به يهتز خضرا» ؟ قال: نعم. قال: «فتلك آية الله في خلقه» .
في الآية: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (19) (الانشقاق) دليل على أن العالم محدث، فالطبق هو الطور، والمخلوقات والكائنات جميعا تعيش وتتواجد في الدنيا في أطوار، فالإنسان مثلا كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، وحيّا، ثم ميتا، ويكون سعيدا ثم شقيا، ثم سعيدا، وفي يسر، ثم عسر، ثم يسر، وفي غنى ثم فقر، ثم غنى، والأيام والليالى تتعاقب، فلا النهار يبقى إلى الأبد، ولا الليل يستمر سرمديا، ولا الشتاء ولا الصيف يدومان، ولا الفصول كما هي، ولا القمر، ولا الشمس، ولا البرد، ولا الحرور، ولا الشباب، ولا الطفولة، وفي الحديث: «إن قدّامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم» ، والأمور العظيمة هي التغيّرات والتقلّبات من حين يخلق إلى حين يبعث. وفي الحديث أيضا: «لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه» ، قالوا: يا رسول الله، واليهود والنصارى؟ قال: «فمن» ؟ يعني أن ذلك مقدور على الجميع، فالأطوار سنّة أو فطرة أو قانون للوجود:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل ... يركب على طبق من بعده طبق
والملاحظ أن الطور مدته عشرون عاما، أي جيل، تتغير فيها الأمور حتما عمّا كانت عليه، منزلة بعد منزلة، وطبقا بعد طبق، وليس التغيير إطلاقا ولكنه مما يكون، فكل شيء يجري إلى شكله، ومن كان على صلاح دعاه صلاح فوقه، ومن كان على فساد استماله الفساد فوقه، والناس في النهاية تصير من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة، والعرب يقولون في الأمر الشديد: «وقع في بنات طبق» ، وسموا الداهية الشديدة «أم طبق» ، و «بنت طبق» ، وأصلها الحيّة، واسمها أم طبق لتحوّيها، وكل ذلك دليل على أن العالم محدث، وأن له