لهم ويرحمهم، وينصرهم على الكافرين. والآيات في ذلك يقال لها خواتيم سورة البقرة، وقيل فيها الكثير كما قيل في آية الكرسي، وهي من آياتها، وقيل في آية الكرسي أنها ربع أو ثلث القرآن، وآيات الربا في نهايتها كانت من أواخر ما نزل من القرآن، ولكل ذلك كانت لهذه السورة بركات وأفضال، حتى قيل فيها أنها فسطاط القرآن وسنامه، ولبابه، لما فيها من كثرة الأحكام والمواعظ، وعدّدها بعضهم: ألف أمر، وألف نهى، وألف حكم، وألف خبر، حتى أن عمر بن الخطاب - كما قيل - استنفد اثنتى عشرة سنة ليتعلم فقهها، وابنه عبد الله ثماني سنين.
فهذه إذن سورة البقرة وعظمتها، وفي هذا الموجز لهذه السورة نبّهنا إلى أهم ما بها، وعلى الله قصد السبيل.
السورة مدنية، من السور الطويلة، وآياتها مائتان، وأطول سورة في القرآن هي البقرة، وتليها آل عمران، وترتيبها في المصحف الثالثة، وفي التنزيل المدنى هي الثالثة أيضا، وفي التنزيل عموما هي التاسعة والثمانون، واسم السورة مأخوذ من الآية بها: (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (33) ، وآل عمران هم بيت عمران والد النبيّ موسى، وهو مؤسس هذا البيت، وتنسب إليه مريم أم عيسى، ولمّا كانت السورة تشتمل على ستين آية تتحدث عن النصرانية، وعن مريم وابنها عيسى، وهما من سلالة عمران، سميت السورة باسم آل عمران. والاصطفاء من مقولات القرآن، ومعناه اختيار الصفوة، وآدم، ونوح، وآل إبراهيم، وآل عمران كانوا من الصفوة، ومن جاءوا من بعدهم ممن يدرج ضمن الصفوة، كانوا من نسل هؤلاء، كقوله تعالى: في سورة آل عمران: (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (34) ، لانتقال صفات الصفوة بين الأجيال بالوراثة. وتتضمن السورة اسم الله الأعظم، وقيل إن الاسم ضمن آية سورة البقرة: (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (163) ثم آية سورة آل عمران، (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (2) ، يعني أنه في سورتى البقرة وآل عمران، ولذا سميتا بالزهراوين، والنيّرتين، لهدايتهما القارئ لهما بما يزهر له من أنوارهما، عند ما يدرك معانيهما. وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة «الم» (ألف لام ميم) ، مثلها مثل خمس سور أخرى، هي بترتيب النزول: العنكبوت، ولقمان، والسجدة، والروم، والبقرة، وآل عمران، وهي إشارة إلى أن آيات هذا القرآن مركّبة من الحروف الهجائية المعروفة للناس، ولكنها آيات معجزات في معانيها وأحكامها وأمثالها وعباراتها. والقرآن كتاب نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحقّ،