فارس - يجمع المراجع والكتب، ويتعرّف أخبار الملوك، وكان فيما يزعم يقول إن القرآن أساطير أولين، فلما عاد إلى مكة كان كلما سمع أن محمدا يقرأ من القرآن على الناس، جلس إليهم بعده يحدّثهم بما يعرف من هذه الأساطير، ويختم كلامه متسائلا: بالله أينا أحسن قصصا - أنا أو محمد؟ ووقع النضر هذا في الأسر يوم بدر، وقتل صبرا، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود. ومعنى قوله إن القرآن أساطير الأولين، أن محمدا يقتبسها ويتعلّم منها ويتلوها على الناس كما قال تعالى: (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (6) (الفرقان) .
يصر المستشرقون على أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمدا هو مؤلفه، غير أننا تعرف أن كل أديب له أسلوبه الخاص الذي ينفرد به، والنابع من شخصيته ومزاجه وثقافته وظروف حياته وبيئته التي نشأ فيها، ولا يمكن أن يتشابه أديبان ولا أن يقلد أحدهما الآخر، أو أن يأتي أحدهما بمثل ما كتب وصنّف الآخر، ويفسّرون إعجاز القرآن تفسيرا عجيبا، فيزعمون أن إعجاز القرآن المزعوم هو أن كل متأدّب يعجز عن الإتيان بأسلوب كأسلوب غيره، وأسلوبه لذلك معجز، والقرآن من هذا السبيل معجز، فالقول بأن القرآن لا يمكن لبشر أن يأتي بمثله لا يدل على أنه كلام الله، وأنه مقدّس!!
ويخطئ المستشرقون من اليهود والنصارى والملاحدة، والمستشرقون الجدد من العلمانين والتنويريين المسلمين والمصريين، إذا فهموا أن تحدّي القرآن لهم بأن يجيئوا بسورة منه، أنه يلزمهم أن يكون ما يجيئون به صورة للقرآن، وبنفس منهاجه وأسلوبه، فالتحدّي لم يقصد إلى هذا، بل أراد أن يصنّفوا شيئا من عندهم، وبأسلوبهم، مهما كان شكله أو نمطه، أو المزاج الذي صيغ به، أو المنهاج الذي اتبعوه فيه، بشرط أن تكون له قيمة كقيمة القرآن، وأن يستحدث ما استحدث القرآن في الناس والمجتمعات من تغييرات ثورية، وما صنعه في التاريخ من انقلابات، وأن تكون له قيمة بيانية وجمالية كالتي للقرآن، فيجتمع عليه الكبير والصغير، والنساء والرجال، والناس جميعا من مختلف الأمصار والأزمان، فهذا معنى التحدى، ومجاله أن يتنافس أهل الصفوة، فيتماكنون أو يتفاضلون فيما بينهم، ولكل منهاجه وشرعته ومراده وأسلوبه وصنعته، فإن كانوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم أكفاء، فسيأتون بمثل ما يدّعون أنه جاء به، فإذا كانوا أفضل منه، كان ما سيأتون به هو الأحسن، وحتى لو كانوا