بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (125) ، حتى ختام السورة: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (128) .
أخوات سورة هود هي: الواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، والقارعة، والحاقة، وسأل سائل، وإذا الشمس كوّرت؛ وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شيّبتنى هود وأخواتها» ، لما فيها من الفزع، والفزع يورث الشيب، ويذهل النفس، ويفصد الجسم عرقا، فتحت كل شعرة منبع يعرق، فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابت، فييبس الشعر ويبيضّ، كالزرع يسقى بالماء فيخضر، فإذا جفّ الماء ذهبت خضرته ويبس. وفي القرآن: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا) (17) (المزمل) ، فإنما شابوا من الفزع. وفي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطان الله تعالى وبطشه، فتذهل منه النفوس، وتشيب منه الرءوس.
ومن سورة هود هذه الآية: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (112) ، قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله آية هي أشدّ ولا أشق من هذه الآية عليه. والخطاب فيها للنبى صلى الله عليه وسلم، والمراد أمّته. ومعنى استقم: اطلب الإقامة على الدين من الله، واسأله ذلك. ولما سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك؟! قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» . أخرجه مسلم.
في سورة البقرة أربع آيات في المؤمنين، واثنتان في الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. فلما ذكر الله تعالى المؤمنين أولا، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم، ذكر الكافرين في مقابلهم، إذ الكفر والإيمان طرفان، ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم، لنفى الإيمان عنهم.
الوضّاعون والمختلقون افتروا الأحاديث والأخبار في فضل سور القرآن، فمنهم الزنادقة، قيل وضعوا جملة من الأحاديث بلغ عددها أربعة عشر ألف حديث! منها مثلا الحديث: «أنا خاتم الأنبياء لا نبيّ بعدى إلا ما شاء الله» . فزادوا الاستثناء على الحديث