هؤلاء عاصم وخبيب وأصحابهما، وإن ما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق لتشيب من ذكره الولدان.
في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأخدود قصة «الغلام والراهب» ، رواها لأصحابه، تنبيها لما كان يلقاه من الشدائد من وحّد الله قبلهم، وعبده دون غيره، وإيناسا لهم بها، لتصبيرهم على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسّوا بمثل هذا الغلام في صبره، وتصلّبه في الحق، وتمسّكه به، وبذله نفسه إظهارا لدعوته، وإقناعا للناس للدخول في الدين، مع صغر سنّه وعظيم صبره. وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لمّا آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا عن دينهم. تقول الرواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إليّ غلاما أعلّمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه، وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسنى أهلى، وإذا خشيت أهلك فقل. حبسنى الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة، قيل أسد، قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم: الساحر أفضل، أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس. فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بنى، أنت اليوم أفضل منى، فقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدلّ عليّ. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوى الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هنا لك أجمع، إن أنت شفيتنى. فقال: إني لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله. فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن بالله فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربّى. قال: ولك ربّ غيرى؟! قال: ربّى وربّك الله! فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الغلام، فجئ بالغلام، فقال له الملك: أي بنى، أقد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟! قال: أنا لا أشفى أحدا!! إنما يشفى الله! فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الراهب، فجئ بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك! فأبى،