فهرس الكتاب

الصفحة 1014 من 2524

نموذجا من القصص، بعضها يقصّه الله على نبيّه ضمن القرآن، وبعضها لم يقصه. وتختتم السورة كما بدأت، ببيان مصارع المكذّبين، وصدق الله في قوله عن نفسه أنه تعالى: (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (3) ، فكل من كذّب وفرح بما عنده من العلم سيحيق به حتما ما كان به يستهزئ، ولمّا يرى العذاب فعندئذ سيؤمن، فما ينفعه إيمانه لمّا رأى عذاب الله، وهذه سنّة الله في عباده، والكافرون هم الخاسرون.

وفي السورة من المصطلحات: أن «حملة العرش» هم المستغفرون للناس، وهم أشراف الملائكة؛ و «العرش» هو الكون كله والوجود بأسره؛ وفي قوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (14) أن من شرط الدعاء الإخلاص فيه؛ و «يوم الآزفة» ، و «يوم التلاق» ، و «يوم التناد» من أسماء يوم القيامة؛ وفي السورة أن الجدل نوعان: جدل بالباطل يقال له «الجدال» ، وجدل بالحق وهو «الحجاج» ، نسأل الله الهداية، وأن يتقبّل منّا، وله الحمد والمنّة.

قلوبهم في أكنّة، يعني لا تتأثر بشيء؛ وآذانهم فيها وقر، يعني لا يسمعونه؛ وبينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يتلوه عليهم - حجاب فلا يرونه، ولا يدرون به. والنبيّ صلى الله عليه وسلم بشر مثلهم، ولقد آمن مع ذلك، ولأنهم بشر فكان يتوقع أن يتعاطفوا معه، وما ينقله إليهم هو وحيّ من الله، وما يقوله لهم ليس إلا كلاما طيبا لا يستفيد هو به، وفائدته عليهم إذا آمنوا، ورسالته إليهم أن هذا الكون له إله، وأنه واحد، فليستقيموا وليتوجّهوا إليه، وليستغفروه، والويل للمشركين، وأمّا من آمن وعمل صالحا فلهم أجر غير مقطوع ولا محسوب. والعجيب أن يكون كفرهم بالله خالق الأرض في يومين، والذي قدّر أقواتها في يومين، وقضى السماوات السبع في يومين، وكان الأحرى بهم أن يخشونه، لأنه قادر أن يدمرهم تدميرا، مثلما فعل بعاد وثمود، فعاد أهلكهم بريح صرصر في أيام نحسات، لأنهم استكبروا في الأرض واستعلوا على الناس، وجحدوا بآيات الله؛ وثمود استحبّوا العمى على الهدى، فأخذتهم الصاعقة بعذاب مهين، ونجّى الله المؤمنين. والذين يكفرون يحشرون يوم القيامة إلى النار، ويوزعون ويدفعون، لأنهم أعداء الله، وتشهد عليهم جلودهم وسمعهم وأبصارهم بما كانوا يعملون، وبما كانوا يستترون من الله، وكان لهم في الدنيا القرناء يزينون لهم الشر، ودأبوا عليه حتى استحقوا النار مثوى لهم، لا محيص لهم عنها، ولا هم يستعتبون ويسترضون. وكانوا لا يسمعون للقرآن، ويحضّون الآخرين على عدم السماع لتلاوته، وأن يلغوا فيه بالتشويش، ويوم القيامة يتمنون لو يضعوا أيديهم على قرنائهم ليدوسوا عليهم ويجعلوهم تحت أقدامهم سافلين. وأمّا الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا فلهم الجنة والله وليّهم في الدنيا والآخرة، ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وإلى الإسلام وعمل صالحا، ولا تستوى الكلمة الحسنة من الداعية والكلمة السيئة من الكافر، والداعية عليه أن يدفع بأحسن الكلام، والدفع به هو منهج القرآن، وهو السبيل لإنهاء العداوة واكتساب محبة الناس، وهذا المنهج وتلك الطريقة لا يتقنها ولا يحسنها إلا من تدرّب عليها وصبر، وإذا صارت له فهي من حظّه العظيم، وإذا الداعية وسوس إليه الشيطان ليوقعه في مكايده فليستعذ بالله. ومن آياته تعالى أن خلق الليل والنهار والشمس والقمر، والشمس والقمر آيتان لا يتعبّد لهما وإنما التعبّد لله خالقهما. والمتكبّرون السورة مكية، وآياتها أربع وخمسون آية، وترتيبها في المصحف الواحدة والأربعون، وفي التنزيل الواحدة والستون، وكان نزولها بعد سورة غافر، واسمها «فصّلت» بسبب ابتدائها بالآية: (فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (3) ، ومعنى «فصّلت» بيّنت ووضّحت، فتميز بها الحلال من الحرام، والحق من الباطل، تقول: فصّل الكلام أي بيّنه، ضد أجمله؛ والآيات في السورة مفصّلة، وعكس ذلك أن تكون مجملة، والدلائل فيها موضّحة لقدرته تعالى ووحدانيته، وتستفتح بالحرفين المقطّعين حم، تنبيها إلى أن القرآن مؤلّف من الحروف الأبجدية العربية، وهي حروف معروفة للجميع، ومع ذلك لم يستطع أحدهم أن يركّب منها آية واحدة، دليلا على إعجاز القرآن، وأن منزّله هو الله تعالى، وأن مبلّغه لا بد أن يكون نبيّا. والسورة إحدى سور سبع تبدأ بالحرفين حم، أولا غافر، ثم فصّلت، فالشورى، فالزخرف، فالدخان، فالجاثية، فالأحقاف. وتنزّلها (مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (2) تقريرا لهذه الحقيقة، أنه لولا رحمة ربّك ما تنزّل القرآن بالكلية، وهو الكتاب المفصّل الآيات، والعربي اللغة، الذي جاء قوما يعلمون هذه اللغة واشتهروا بها، ومع علمهم بها فقد عجزوا عن مثله، ولو كان القرآن غير عربي لما علموه. والسورة تقريع وتوبيخ وتحدّ لقريش في إعجاز القرآن، فقد أعرضوا عنه وادّعوا ثلاثة ادعاءات: أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت