فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 2524

الذي بدأت بشارته وهو في الأربعين، ولم يكن متفرغا تماما ليتتلمذ على أحد، لانشغاله بتجارة خديجة، وكان أميا لم يقرأ كتابا، فكيف يتسنّى له رغم كل هذه المعوّقات أن ينضج نفسه ثقافيا، ويعلّم نفسه ويتعهدها كل هذا التعهّد والعلم، الذي أثمر معجزة القرآن، ومعجزة النبوة معا، فأما القرآن فقد تحدّى أن يأتوا بعشر سور مثل سوره، أو حتى بمثل سورة واحدة من سوره؛ وأما النبوّة فقد صار بها محمد من أميّة بليدة إلى أستاذية رشيدة، يصحّح الضلالات السائدة والأغاليط المنتشرة! وأى ثقافة هذه التي نقلها محمد من البيئة والعصر إلى القرآن، وهو الذي يصحّح ويقوّم، ويطلق على السائد من الأفكار والتقاليد اسم الجاهلية؟ وكلامهم يرقى الى أن القرآن صورة من هذه الجاهلية، وذلك محض افتراء وأى افتراء!!

لما كان القرآن جليل القدر، وفيه بيان كل شيء، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أقسم به الله تعالى فقال: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (1) (ص) والواو هي واو القسم، وذى الذكر، قيل: أي ذي الشرف، فمن آمن به كان له شرفا في الدارين، كقوله تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (10) (الأنبياء) أي فيه تشريفكم. ثم إن القرآن شريف في نفسه، لإعجازه واشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره. وقيل: ذي الذكر، أي ذي البيان، ففيه ذكر ما يحتاج إليه في أمر الدين. وفيه ذكر أسمائه تعالى التي نعرفه بها، وفيه الموعظة تذكّر وتحذّر وتبشّر.

يقول تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (10) (الأنبياء) ، والكتاب هو القرآن، وفيه ذكركم أي فيه شرفكم، أو فيه أمر دينكم، وأحكام شرعكم، وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب، أو فيه الحديث عنكم، وعن مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم، أو فيه العلم بما فيه حياتكم، لقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ) (44) (الزخرف) . والقرآن شرف للنبيّ صلى الله عليه وسلم، لأنه معجزته، وشرف لنا إن عملنا بما فيه، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك» .

يحفل القرآن بالعبر وأخبار القرون الخالية، وبدلائل الربوبية، وهو في جانب منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت