يَشاءُ) فيجعل ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة، وفي مشيئة الله - إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه. والشرك أخصّ من الكفر، وقد ميّز الله تعالى بينهما فقال: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ) (البينة 1) ، ومن بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يخرج عن الإيمان، سواء كانت من الصغائر أم الكبائر. والمؤمن إذا ارتكب ذنبا لا يكفّر، وقد أبقى الله عليه اسم المؤمن، فقال: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) (الحجرات: 9) ، ثم قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات 10) وفي الحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما» فسمّاهما مسلمين وإن توعدهما بالنار. وقوله صلى الله عليه وسلم لأبى ذرّ: «فيك جاهلية» ، أي خصلة جاهلية، مع أن أبا ذر كان في الإيمان في الذروة، ولكنه حذّره، لأن وقوع ذلك من مثله يستعظم أكثر ممن هم دونه.
الارتداد عن الإسلام: هو الرجوع عنه إلى غيره، وأهل الرّدّة كانوا بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وآيات الردة فيها إعجاز، لأنها أخبرت عن شيء لم يكن قد وقع بعد أثناء حياته، فكان ذلك إخبارا عن غيب، والذين ارتدوا قسمان: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة وعمل بغيرها من أركان الإسلام، وقالوا: نصوم، ونصلى، ونحج، ولا نزكّى، فقاتلهم أبو بكر جميعا، وقيل لم يكن على أبي بكر أن يقاتلهم، لأنه لا إكراه في الدين. والمرتد - في التحليل النفسي الإسلامي إنسان مضطرب الوجدان، لا هو مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، ويتوجه همّ اليهود والنصارى إلى أن يردّوا عن المسلمين دينهم بالكلية. وقام التبشير الكاثوليكى بدءا من سنة 1634 بأكبر عملية غزو فكري لعقول المسلمين البسطاء، بهدف أن ينبذ المسلمون شهادة: «لا إله إلا الله» ويقرّوا بدلا من ذلك بأن المسيح ابن الله، وينشط اليهود، وتحتال مخابرات الأطلنطى ومخابرات أمريكا إلى إلغاء دراسة الدين في المدارس، وإغلاق المعاهد الدينية، والقرآن سبق إلى توصيف هذه الحالة بأنها اضطهاد ديني، فقال: (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة 120) ، وقال: (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (البقرة 217) . والمرتد عن دينه بحسب الإسلام، يحبط عمله أي يفسد، لتشوّش تفكيره وعدم استقرار انفعالاته، والحبط: هو الفساد يلحق بكل شيء حتى يقضى عليه، والآية تحضّ المسلمين ليثبتوا على الإسلام، وتهدد من ينتوى الرّدة. وقيل: