فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 2524

وآمنوا، فنبّه تعالى إلى أنه لا يعذّب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه لعباده لا يزيد في ملكه، وأن تركه عقوبتهم على كفرهم وإلحادهم لا ينقص من عظمته، ولا يطعن في هيبته، ومن كانت له هذه الخصال الأربع فهو حبيب الله: الشكر له، والإيمان به، والدعاء إليه، والاستغفار منه - يقول تعالى: (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (33) (الأنفال) ، ويقول: (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ) (77) (الفرقان) ، ويقول: (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) (147) (النساء) .

الرزق هو الغذاء، والناس جميعا مرزوقون، والله هو الرازق، ولا رازق ولا رزّاق سواه، يقول: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر) ، ويقول: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) (6) (هود) ، فالله تعالى رازق حقيقة، وهذا قاطع، وابن آدم رازق تجوّزا، لأنه يملك ملكا منتزعا، وهو مرزوق حقيقة كالبهائم، وما هو مأذون له فهو حلال حكما، وما كان غير مأذون له تناوله فهو حرام حكما، وجميع ذلك رزق، وهو تعالى يرزق الناس جميعا، ويوفر الرزق للناس جميعا، فلو كانوا متساوين فيه لكفاهم جميعا، ولكن بعضهم يحوز أرزاق العشرات والمئات والآلاف من الناس ويحرمهم حقّهم فيه، وكذلك الدول الغنية تستأثر بعطايا الله دون الدول الفقيرة، فيكون هذا التفاوت في الأرزاق بين الأغنياء والفقراء، من الأفراد والدول، والإسلام اشتراكيته اشتراكية تكافل، فالغنى يتكفل بالفقير، والدولة الغنية تتكفل بالدولة الفقيرة، كقوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (3) (البقرة) يعني مما أعطيناهم، والإنفاق: هو الحقوق الواجبة العارضة في الأموال، سواء على الأفراد أو الدول أو الجماعات، وبالإنفاق يكون شكره تعالى على نعمه، كقوله تعالى: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (15) (سبأ) ، فأيّما إنسان أو دولة لا تنفق فهي لا تشكر الله، وهي ليست على الإيمان، كقوله: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (82) (الواقعة) أي شكركم التكذيب، أي تكذيب رسالات الله إليكم، وتكذيب نعمه عليكم.

يقول تعالى: (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) (19) (غافر) ، فمن صفاته تعالى علمه بهذه الدقائق؛ وخائنة الأعين مسارقة النظر إلى ما نهى الله عنه؛ ومن ذلك اللّمز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت