بالختم والطبع على القلوب وبالصمم والبكم والعمى؟
هذا كلام المستشرقين وأهل الكتاب، قالوا: القرآن وصف المنكرين له بأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم (الجاثية 23) ، وعلى أفواههم (يس 65) ، وطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم (النحل 108) ، فهم صم بكم عمى، لا يرجعون الى علم ولا عقل (البقرة 18) مع ملاحظة أن قوله تعالى: «وأنتم تعلمون» تأتي في القرآن 56 مرة خطابا، فكيف يستقيم ذلك؟ أليس القرآن يعارض بعضه بعضا؟ وكيف يكون لديهم العلم مع أنهم صمّ بكم عمى؟ والجواب من وجهين، أحدهما: أن «وأنتم تعلمون» يشير بها إلى العلم العام عند البسطاء، فهم يعلمون أنه تعالى خلق الخلق، وأنزل الماء، وأنبت الرزق، ولكنهم لا يعبدونه كمنعم ليس له كفء ولا ند، فهم يقولون بطريقة عفوية تقليدية نحمد الله، لمّا حاروا ولم يدروا جوابا، وعموا عنه كمعبود أوحد، فلم يعملوا العقل، وأخذوا بالتقليد، وأشركوا كآبائهم، وعبدوا الأصنام والأوثان، كفعل المشركين والنصارى الذين قالوا بثلاثة آلهة، وكفعل اليهود الذين ألّهوا أسلافهم، ورفعوا شعبهم مكانا عاليا، حتى صاروا يتعبّدونه دون الله. والثاني: أن علمهم بالله هو علم بالإمكان، أي لو استخدموا عقولهم وتدبّروا ونظروا ولم يقلّدوا، لأمكنهم أن يعلموا، وفي ذلك أمر باستعمال حجج العقول وبإبطال التقليد. فهؤلاء وأولئك قد يوصفون بالختم والطبع على القلوب إلخ وإن كانوا يعلمون، فعلمهم هو علم السذّج، أو علم التقليد الذي مضمونه الشرك أو الإلحاد والكفر، وهو علم لا يفيدهم ويضرّهم أكثر مما ينفعهم.
مثل الآية: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) (24) (فاطر) ، والآية: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ) (6) (يس) . فالأولى: تثبت النذير لكل أمة؛ والثانية: تقرّ بأن هؤلاء القوم ما أنذروا من قبل، يعني لم يكن لهم نذير، والآيتان من ثم تتعارضان؟ فهل القرآن تتعارض آياته؟ والجواب: أنه لا تعارض ألبتة بين الآيتين، فالأولى: تتحدث عن الأمم، وأن لكل أمة نذير، كقوله: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (7) (الرعد) ، وقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) (36) (النحل) ، والآيات في هذا كثيرة؛ والثانية: الخطاب فيها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والإخبار فيها عن آبائه صلى الله عليه وسلم من أمثال أبى جهل، فما من نذير قد جاءهم من قبل، وبقية الآيات بعد هذه الآية تروى عنهم، وأنه لا فائدة من إنذارهم، وإنما الإنذار