منظرا ساءه: رأى حمزة قد شقّ بطنه واصطلم (يعني قطع) أنفه، وجدعت أذناه (يعني قطعتا) ، فقال: «لولا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدى لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير. لأمثلنّ مكانه بسبعين رجلا» ، ثم عاد ببردة وغطى بها وجهه فخرجت رجلاه، فغطى وجهه وجعل على رجليه من الإذخر (نبات طيب الرائحة) ، ثم قدّمه فكبّر عليه عشرا، ثم جعل يجاء بالموتى الواحد تلو الآخر فيوضع، وحمزة مكانه، حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم، نزلت هذه الآية: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (125) (النحل) ، إلى قوله: (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (127) (النحل) ، فصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمثّل بأحد. وقيل: إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة، ألّا ينال من ظالمه، إذا تمكّن، إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره.
1029 - في أسباب نزول آيات سورة الإسراء
1 -في قوله تعالى: (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) (11) : قيل: نزلت في النضر بن الحارث وكان يدعو ويقول: (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (32) (الأنفال) ، والمعنى عام: وهو أن ندعو في طلب المحظور كدعوتنا في طلب المباح.
2 -وفي قوله تعالى: (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (15) : قيل: نزلت في الوليد ابن المغيرة، قال لأهل مكة: اتبعونى واكفروا بمحمد، وعليّ أوزاركم، فنزلت هذه الآية - أي أن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه.
3 -وفي قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا) (24) : قيل: نزلت الآية في سعد بن أبي وقّاص، فإنه أسلم فهددت أمه بإلقاء نفسها في الرمضاء متجرّده، فذكر ذلك لسعد، فقال: لتمت! فنزلت الآية خاصة في الدعاء للأبوين.
4 -وفي قوله تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) (28) : قيل: نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم، لأنه كان يعلم منهم نفقة المال في الفساد، فكان يعرض عنهم رغبة في الأجر في