غريب القرآن: هو ما استغلق الإحاطة بمعانيه، لقلة ما يعرف الباحث من موضوعات اللغة وحقائقها، ففي سورة عبس ترد لفظة الأب، كقوله: (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (31) ، قال فيها عمر: الفاكهة وقد عرفناها، فما الأب؟ فعاب عليه أبو بكر، واعتبر سؤاله من التكلّف، وقال: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) (7) (آل عمران) ، وقال: ما كلّفنا بهذا! ولم يكن ذلك عن جهل من عمر أو أبي بكر لمعنى الأب ولكنهما حارا في المعاني الكثيرة للكلمة، فخشيا إن فسراها بمعنى، أن يكون المراد غيره، فلذلك اختلف المفسرون في معنى «الأب» إلى سبعة أقوال. وهذا نموذج لغريب القرآن، وكانوا يتحرّون الشعر لأنه ديوان العرب، فينظرون إن كانت الكلمة قد وردت عند أحد الشعراء من القدامى؟ والمفسّر للقرآن يحتاج إلى معرفة مدلول الغريب من القرآن، ويقتضى ذلك معرفته للغات العرب. وكان الأصمعى - وهو إمام اللغة - يخشى التصدّى لغريب القرآن ولا يحاول تفسيره، وسئل ما معنى: (شَغَفَها حُبًّا) (30) (يوسف) فسكت، ثم تذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها، أتبيعونها وهي لكم شغاف؟ ولم يزد على هذا، ولهذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحثّ المسلمين على تعلّم إعراب القرآن ومعاني كلماته العربية.
الخلاف بين الاثنين ظاهرى، فالمتكلمون - بما أنهم متكلمون - فقد اهتموا بالكلام القرآني من ناحيته النفسية أو الذهنية أو الباطنية، أي قبل أن يخرج كلاما على الحقيقة. ومن الكلام من هذا النوع النفسي في الحديث عن أم سلمة، قول الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأحدّث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجرى» ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن» . رواه الطبراني. والنبيّ صلى الله عليه وسلم سمّاه كلاما مع أن الرجل لم ينطق به، وإنما هو حديث نفسي، أو خواطر ذهنية باطنية لم ترق أن تكون كلاما منطوقا، وقد جاء عن المتكلمين أنهم اعتبروا كلام القرآن قديما، وغير مخلوق، ومنزّه عن الأعراض، وأزليا، وليس مجرد ألفاظ متراتبة، مصورة الحروف والأصوات، وإنما كان من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس كلمات حكمية، أي قديمة قدم الله سبحانه وتعالى، فلأنه تعالى قديم فكلامه كذلك قديم وليس حادثا، وقولهم ذلك لأنهم اعتقدوا أن مذهبهم ينزّه الله تعالى ولا يفصل صفاته عنه، فهو تعالى لم يتصف بصفاته من يوم أن مورست هذه الصفات، ولكنها صفات قديمة فيه، فالصفات هي عين الذات، والذات هي الصفات.