فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 2524

الإدراك لا يستلزم نفى الرؤية، لإمكان رؤية الشيء من غير إدراكه، أي من غير الإحاطة بحقيقته. وقوله لموسى «لن تراني» يعني في الدنيا. وعاب المثبتون على المنكرين شروطهم العقلية للرؤية، كالنظر المخصوص، والمقابلة المخصوصة، واتصال الأشعة، وزوال الموانع كالبعد والحجب. ولا يشترط أهل السنة شيئا من ذلك سوى وجود المرئى، ويقولون: إن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئى، بدليل الأحاديث مثل: «ستعرضون على ربّكم فترونه» ، ومثل: «إنكم سترون ربّكم عيانا» ، ومثل: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه» . وأمثال هذه الأحاديث قالها النبيّ صلى الله عليه وسلم يخاطب بها العرب بما تفهم، ويخرج لها بها الأشياء المعنوية إلى الحسّ، ليقرّب تناولهم لها، فعبّر مثلا عن زوال الموانع عن الرؤية ورفعها عن الأبصار برفع الحجاب من على الوجه. والعرب كانوا يستعملون الاستعارة كثيرا، وهي من أرفع أدواتهم في الفصاحة والإيجاز، ومخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس بهذه الأحاديث من هذا المعنى، ومن لم يفهم ذلك تاه، ومن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم، ومن لم يتضح له أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث، إما أن يكذّب نقلتها، وإما أن يؤوّلها، كأن يقول عن رداء الكبرياء كحجاب، أنه استعارة لضعف إدراك أبصار البشر عن رؤيته تعالى، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته. والمراد بالوجه: الذات، والمراد بالرداء: صفة من صفات الذات المنزّهة له تعالى عما يشبه المخلوقات. وقيل: تأويل الرداء أنه الآفة الموجودة لأبصار المؤمنين تمنعهم من رؤيته فيزيلها الله تعالى، وإزالتها فعل من أفعاله يفعله في محل رؤيتهم، فطالما ذلك المانع موجود لا يرونه، فإذا فعل الرؤية زال ذلك المانع.

قيل في الآية: (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (23) (القيامة) ، أن المؤمنين يوم القيامة ينظرون إلى ربّهم نظرا، يعني يرونه؛ والناس في ذلك مختلفون بين منكر للرؤية ومثبت لها. وقيل الحديث: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك» فيه إشارة إلى انتفاء الرؤية، والمثبتون يقولون بل الانتفاء في الدنيا لأن الحديث عن الدنيا. وفي الآية عن المنافقين في الآخرة: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (15) (المطففين) دليل على أن المؤمنين يرونه في الآخرة، ويحجب عن ذلك المنافقون، كما في قوله تعالى: (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (77) (آل عمران) والنظر بمعنى الرؤية هو الذي يتعدى بإلى، فيثبت أن ناظره بمعنى رائيه، وطالما أن الله موجود فيصحّ أن يرى على سبيل التنزّل، وإلا فصفات الخالق لا تقاس على صفات المخلوقين. ومن ينكر الرؤية يقول: إن من شرط المرئى أن يكون في جهة، والله منزّه عن الجهة، فالرؤية لا تتحقق في معناها. ومن يثبت الرؤية يقول: إن الرائي يحصل له العلم بالله برؤية العين، كما في المرئيات، كما في الحديث النبويّ في الرؤية: «كما ترون القمر» ، إلا أنه تعالى منزه عن الجهة والكيفية. وقيل: المراد بالرؤية العلم بالله، وهي حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى المرئيات. وقيل: رؤية المؤمن لله من نوع الكشف، والكشف أوضح وأتم من العلم. ويذهب أهل السنة إلى جواز رؤية الله في الآخرة، وأنكر عليهم المنكرون بدعوى أن الرؤية توجب كون المرئى محدثا وحالا في مكان، وهذا محال على الله، وهو تعالى القائل عن نفسه: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (103) (الأنعام) ، وأخبر عن موسى لمّا قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي) (143) (الأعراف) . وردّ المثبتون هذه الحجة بأنه تعالى لا تدركه الأبصار في الدنيا، إلا أن نفى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت