سمّيت الفاتحة لأنها يفتتح بها المصحف، ويبدأ بقراءتها في الصلوات، وهي أول القرآن في الترتيب لا في النزول، وكان نزولها بمكة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهي أم القرآن وأساسه، والسبع المثاني، وعدد آياتها مع «بسم الله الرحمن الرحيم» سبع آيات، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فصل السور حتى نزلت عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم» . وأول سورة الفاتحة: «الحمد لله» ، وفي الحديث: «إذا قال العبد الحمد لله، قال الله تعالى صدق عبدى الحمد لي» ، والحمد لله من الباقيات الصالحات. وفي التعريف به تعالى أنه «ربّ العالمين، والربّ من أسمائه، وهو المالك للعالمين، جمع عالم (بالفتح) ، وهو كل موجود سوى الله؛ وهو تعالى: «الرحمن الرحيم» ، فبعد أن يذكر أنه ربّ العالمين ترهيبا يأتي أنه الرحمن الرحيم ترغيبا، والرحمن عام، والرحيم يخصّ المؤمنين. وهو «مالك يوم الدين» ، ومالك أقوى من ملك؛ لأنها بزيادة ألف، وهو تعالى المالك على تأويل المستقبل، أي يملك يوم الدين. وخصص بيوم الدين، لأنهم في الدنيا يتنازعون الملك، وأما في يوم الدين فلا منازع لله في ملكه؛ وإن قلنا «ملك» كان ذلك من صفات ذاته، وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله. وقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) : رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين، ومن ينطق بها يقرّ بالربوبية ويحقق له تعالى العبادة، ويبرأ من الجبر والقدر، ولذلك يحقّ له أن يدعو: «اهدنا الصراط المستقيم» ، راغبا إليه كمربوب إلى ربّه، وليس شيء أكرم على الله من الدعاء؛ والصراط المستقيم هو طريق الإيمان الذين أنعم به على النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. وفي سؤاله تعالى الهداية ردّ على القدرية والمعتزلة والعلمانيين، الذين قالوا إن الإنسان خالق لأفعاله وغير محتاج في صدورها عن ربّه، فلو كان الأمر بيد الناس لما سألوه الهداية. وقد سألوه أن يهديهم إلى صراط المسلمين لا إلى صراط المغضوب عليهم من المشركين، ولا إلى صراط الضالين من المنافقين، وربما المغضوب عليهم هم اليهود، علموا الحق وعدلوا عنه، وربما الضالون هم النصارى، علموا العلم فلم يعوه، وأما طريقة الذين أنعم عليهم - وهم أهل الإيمان - فإنهم يتحرّون العلم بالحق ويعملون به. وكما ترى، تنقسم الفاتحة بين العبد وربّه، وتشتمل على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، والاعتقاد في المعاد، وتوحيده تعالى وتنزيهه، والدعاء بالعمل الصالح، والتنبيه إلى ثلاثة أصناف من