يستمعون به إليك وإلى قراءتك وكلامك. إنما يستمعون لسقطك وتتبّع عيبك، والتماس ما يطعنون به عليك.
516 -الإشكال في الآية: (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة 13)
قالت المعتزلة في تفسير هذه الآية: لو شاء الله لأكره الناس على الهداية، بإظهار الآيات الهائلة، ولكن ذلك لم يحسن منه، لأنه ينقض الغرض من التكليف، وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلّف باختياره.
وقالت الإمامية من الفرق الإسلامية: يجوز أن المعنى أن الله يريد أن يهدى الناس جميعا في الآخرة إلى طريق الجنة، إلا أن القول حقّ منه أن يملأن منهم جهنم، فلم يعد عليه هداية الكل إلى الجنة، ولكنه يهدى الصالحين، ومن كانت عليه ذنوب تكون هدايته لهم إلى النار جزاء ما فعلوا.
وقالت الجبرية: إنه تعالى يهدى الناس على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه. وقال آخرون: إن الله تعالى يهدى المؤمنين إلى الإيمان والطاعة، على طريق الاختيار، حتى يصحّ التكليف، فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا، وهؤلاء أصحاب مذهب الاختيار، وفيهم قال تعالى: (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (28) (التكوير) ، وقال: (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا) (29) (الإنسان) ، فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم. ومما سبق فإن المجبرة تكون قد فرطت لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان متوقفة على مشيئة الله، ولذلك قالوا: الخلق مجبرون في طاعتهم كلها، التفاتا إلى قوله تعالى: (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (29) (التكوير) : وكذلك فإن القدرية يكونون قد فرّطوا لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان متوقفة على مشيئة العباد، فقالوا: الخلق خالقون لأفعالهم، التفاتا منهم إلى قوله تعالى: (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (28) (التكوير) . والقرآن في مجمله لا يقول بأي من تلك المذاهب، وإنما قوله هو القول الوسط، بين كافة المذاهب، وخير الأمور أوساطها، والاقتصاد في الاعتقاد من أصول الإسلام، وأهل الحق يفرّقون بين ما يضطرون إليه وبين ما يختارونه، ويدركون الفرق بين حركة الرئتين، أو القلب، أو ارتعاش اليدين عند مريض الشلل الرعّاش، وكلها حركات لا إرادية، أو نضطر إليها، وبين ما يختاره المرء لنفسه، بتحريك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش. وأنا لم أختر أن أولد في هذا التاريخ المعين، ولا أن يكون والداى هما هذين، ولا أن أكون مصريا، ولا أن يكون طولى كذا،