أكثر الناس في موضوع المتشابه من القرآن، من أمثال: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (5) (طه) ، فالاستواء من المتشابهات في الصفات، أي التي يصف الله تعالى بها نفسه، وآيات أو متشابهات الصفات كثيرة في القرآن، وتحفل أسفار موسى الخمسة بها، ومنها الكثير أيضا في الأناجيل، واليهود والنصارى مع الرأي الذي يقول بحمل المتشابهات على ظواهرها، مع بقائها على ما هي عليه مما هو في واقع الناس، وبهذا الرأي أيضا قال المجسّمة والمشبّهة، غير أن المعوّل عليه في الإسلام في أمور العقيدة: أن يكون الدليل على المعنى قطعى، والله تعالى في التصوّر الإسلامي ليس جسما، ولا يتحيّز، ولا يتجزى، ولا يتركّب، وليس ناقصا يكمله شيء أو أحد، ولا يحتاج إلى مكان ولا إلى زمان. ومن المتفق عليه عند المسلمين أن الاستواء على العرش - بمعنى الجلوس عليه، من التمكّن والتحيّز - مستحيل في حقّ الله، لأنه تعالى لا يشبه خلقه، كقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (11) (الشورى) . ولقد تصوّر البعض أن في الإمكان حلّ هذا الإشكال بتفويض الله تعالى في تحديد معنى الاستواء الذي وصف به نفسه، وهو تعالى الأعلم بنفسه، وهؤلاء هم المسمون المفوّضة. وفيهم آخرون ذهبوا إلى أن الآية إثبات صفة الاستواء لله بدون تعيين، ومن عيّن منهم قال إن استواءه تعالى على العرش يعني أنه سخّره وقهره لإرادته، والعرش هو الوجود كله، والقول بهذه التأويلات فيه إثبات للملزوم ونفى اللازمة، وهو تناقض صريح، فما من عاقل يمكن إن يقول إن الاستواء هو الاستواء، أي الجلوس المعروف الذي يستلزم أن يكون لله تعالى جسم، وأن يتحيّز في المكان! وأيضا فإن القول بأن الاستواء مع ذلك ليس كما نعرف، نفى للقول الأول وتناقض معه، وكأننا به نقول مرة أنه لا يمكن أن يستوى كاستواء الأجسام المتحيّزة، ومرة نقول إن هذا الاستواء ليس ما نعرف من الاستواء، فنثبت الصفة المتشابهة مرة وننفيها أخرى، فنقول شيئا وننقضه. ولو قلنا إن الاستواء على ما يعلمه الله ولا نعلمه نحن، وهو من الغيب لأنه متعلق به تعالى، وصفاته كلها غيب، فما كان غيبا لا نقاش فيه ولا جدال، لأرحنا واسترحنا، وأقنعنا واقتنعنا، لأن المتشابه من الصفات من المجاز وليس من الحقيقة، ولأنه كذلك فلا بد أن يصرف عن ظاهره، طالما هناك قرينة تمنع من إرادة معناه الأصلى. ويفسد أن نقيس غائب بشاهد، وأن نتصوّر لله ما ندركه في البشر بحواسنا وعقولنا، والله تعالى مجرّد، وتصوّر المجرّد ماديا لا يجوز، وطالما أن الله تعالى كذلك فهو ليس بجسم، ولا مكان له ولا جهة، ولا يعني القول بذلك أنه تعالى غير موجود، فهو لا يشبهنا والحكم عليه ليس كالحكم علينا،