فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 2524

وامتناع التحيّز عنه لا يمتنع مع وجوده، والقول بصفات متقابلة عن الله تعالى لا يفيد التناقض، فلصفاته تعالى مظهران: الأول يظهر لنا في عباده، والثاني هو المنسوب إليه تعالى. وفي القرآن الآية: (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) (14) (التوبة) ، فالتعذيب منسوب لله من خلال أيدى العباد، والآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) (10) (الفتح) تعنى أن البيعة وإن كانت في ظاهرها للنبيّ فإنها في الحقيقة لله الذي يدعو إليه النبيّ، والآية: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (17) (الأنفال) تنسب فعل الجوارح إليه تعالى وإن كان الفاعل هو النبيّ صاحب الجوارح، وليس في ذلك تشبيه لله ولا تجسيم له، وإنما جاء التعبير القرآني تأنيسا للقلوب، وتقريبا للأفهام. ومع ذلك يطعن الملاحدة في القرآن لاشتماله على هذه المتشابهات، وكانت فرصة هيأت لكل صاحب مذهب أن ينسب مذهبه إلى القرآن ويستشهد به، فالجبرى يتمسك بآية مثل: (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا) (25) (الأنعام) ، والقدرى يتمسك بالآية: (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) (5) (فصلت) ، والآية: (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ) (88) (البقرة) ، بمعنى أن الكفر لم يفرضه الله عليهم وإنما اختاروه لأنفسهم؛ وكذلك يتمسك منكرو الرؤية بالآية: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (103) (الأنعام) ، بينما المثبت للرؤية يتمسّك بالآية: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ(22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (23) (القيامة) ، ومثبت الجهة يدفع عن نفسه بالآية: (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) (50) (النحل) ، ورافض الجهة حجته مطلق الآية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (11) (الشورى) وكل واحد من هؤلاء لديه ما يحتج به من القرآن، وكان من المفروض أن هؤلاء جميعا يردّون المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية، وعلى ما تواضع العرب عليه، وعلى ما كان يفهمه الصحابة والتابعون من القرآن والسنة. والمحكم هو أم الكتاب، والمتشابه مردود إليه، ولا تنافي بينهما، وكلّ له حكمه وله مزاياه، ومزية المحكم أنه أم الكتاب وترد إليه المتشابهات، ومزية المتشابه أنه اختبار لمدّعى الإيمان وابتلاء للمؤمن، وشحذ لهمة العالم ليقدح ذهنه، ويوسّع فهمه، ويعمل اجتهاده. واللجوء لتأويل المتشابه ليس منطقيا وليس سليما موضوعيا، وفي القرآن يأتي وصف التأويليين بأنهم: (فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) (7) (آل عمران) ، يعني أنهم يحكمون بالهوى في تفسير القرآن، وذلك الضرب من التأويل هو المنهى عنه، وأما التأويل السليم فهو الذي يقوم على البرهان والحجّة، وعلى الهداية والرشد. وكان الظاهرية تأويليين يصرفون ألفاظ المتشابه عن ظاهرها الموهم للتشبيه أو المحال، وكذلك فعل الإسماعيلية والباطنية، فقد اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وضلّوا عن الصواب والحجّة والبرهان فأضلوا. نسأل الله الهداية وللمسلمين سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت