وعن عائشة أنها كانت ترى في حبّة العنب الواحدة مثاقيل ذرّ كثيرة، فلا غرابة أن تكون الآية الواحدة جامعة وفاذة. وعن سعد بن أبي وقاص، أنه كان يرى في الثمرة مثاقيل ذرّ كثيرة. واستهول الأعرابى أن يحاسبنا الله على مثقال الذرّة فقال: وا سوأتاه! فعقب النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: «لقد دخل قلب الأعرابى الإيمان» ، أو قال: «قد فقه» . وقال في الآية الصعصعة عمّ الفرزدق: لا أبالى ألا أسمع من القرآن غيرها! حسبى، فقد انتهت الموعظة!
إن من يعتدى ويكسب إثما ... وزن مثقال ذرة سيراه
ويجازى بفعله الشرّ شرّا ... وبعض الجميل أيضا جزاه
هي الآية: (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (201) (البقرة) ، وهي تعمّ الدنيا والآخرة، وحسنتا الدنيا والآخرة هما ما فيهما من نعم، وقوله تعالى (حَسَنَةً) تحتمل كل الحسنات على البدل، ومن ذلك: العافية، والصحة، وكفاف المال، والعلم، والعبادة، والزوجة الطيبة، والذرّية الصالحة إلخ؛ وحسنة الآخرة هي الجنة، وقوله (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) دعاء مؤكد لطلب دخول الجنة، كقول الصحابى للرسول صلى الله عليه وسلم: أنا إنما أقول في دعائي: «اللهم ادخلنى الجنة وعافنى من النار» . وقيل لأنس: أدع الله لنا، فقال: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» . قالوا: زدنا؟ قال: «ما تريدون؟ قد سألت الدنيا والآخرة» . وكانت هذه أكثر دعوة يدعو بها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان يأمر أن تكون أكثر ما يدعو به المسلم في المواقف.
55 -أجمع آية في القرآن
هي الآية: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90) (النحل) ، قال فيها ابن مسعود: هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشرّ يجتنب. وقال فيها أبو طالب لما سمع أنها نزلت على ابن أخيه: اتّبعوا ابن أخي فو الله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق. وقال عثمان بن مظعون: ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده، فاستقر الإيمان في قلبى، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال: يا بن أخي، أعد! فأعدت، فقال: والله إن له لحلاوة (يقصد القرآن) ، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وأعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر!