حدود ما خلقه الله به، وما هيّأه له، والله إذ يختار فإنه يختار ما يشاء، والخيرة له في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيما يفعل ويخلق ويقسم، وليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، كأمر النبوة مثلا، فهو الذي يصطفى من عباده الأنبياء ولا أحد غيره. وهو يختار للهداية من خلقه من سبقت له السعادة في علمه.
القلب للإنسان ولغيره. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه، وهو موضع الفكر؛ وفي اللغة: القلب من قولنا: قلبت الشيء، أقلبه قلبا، إذا رددته على بداءته؛ وقلبت الإناء رددته على وجهه، ونقل اللفظ فسمّى به هذا العضو الذي هو أشرف ما في الإنسان، لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه، وهو المنوط به، بتعبير العصر، الجهازان السمبثاوى والباراسمبثاوى، والشاعر يقول:
ما سمّى القلب إلا من تقلّبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل
وفي الحديث عن تقلّب القلب: «مثل القلب مثل ريشة تقلّبها الرياح بفلاة» أخرجه ابن ماجه، والفلاة هي الصحراء الواسعة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم يا مثبّت القلوب ثبّت قلوبنا على طاعتك» أخرجه ابن ماجه، وفي القرآن: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (24) (الأنفال) .
وقد يعبّر عن القلب في القرآن بالفؤاد، كقوله تعالى: (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) (32) (الفرقان) ؛ وبالصدر، كقوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (1) (الانشراح) ، وقد يعبّر به عن العقل، كقوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) (37) (ق) . وعند الكثيرين القلب يحلّ محل العقل، وكذلك الفؤاد يحلّ محل القلب، كما يحلّ الصدر محل الفؤاد. وفي الآية: (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) (7) (البقرة) أن ختم القلب يمنعه من الإيمان. وقلوب الكفار موصوفة من ذلك بعشرة أوصاف: بالختم: كما في الآية السابقة؛ وبالطبع: كقوله: (عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (14) (المطففين) ؛ وبالضيق: كقوله: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) (125) (الأنعام) ؛ وبالمرض:، كقوله: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (10) (البقرة) ؛ وبالرّين: كقوله: (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (14) (المطففين) ، أي ما يكسبون صدأ به القلب وتجمّع عليه فحصره وعزله؛ وبالموت: كقوله: (أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ) (122) (الأنعام) ؛ وبالقساوة: كقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) (74) (البقرة) ؛ وبالانصراف: كقوله: (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (127) (التوبة) ؛ وبالحمية: