وهل القرآن يعارض بعضه بعضا؟
المستشرقون على القول بأن القرآن يعارض بعضه بعضا، فمرة يقول بأن اليوم عند الله مقداره ألف سنة من أيام الأرض: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (5) (السجدة) ، ومرة يقول: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (4) (المعارج) فأيهما نصدّق؟ وقوله الأول مشكل مع قوله الثاني، وهذه الأرقام لتصوير طول المدة، والعرب قد تعبّر عن المدة باليوم، وتصف أيام الحزن بالطول، وأيام السرور بالقصر، والزمن في القرآن هو الزمن النفسي النسبي وليس الزمن القياسي الكمى، وفي الآية الأولى فإن «الأمر» هو القضاء والقدر، أو هو جبريل الذي وكل بالسماء والأرض، يقطع المسافة بين العرش مكان التدبير إلى الأرض مكان التصريف في يوم من أيام الله، بمقدار ألف سنة من أيام الأرض، والألف سنة للتمثيل على سبيل المجاز، ويأتي ذلك كثيرا في القرآن، كقوله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (3) (القدر) ، وقوله: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا) (14) (العنكبوت) ، وقوله: (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) (66) (الأنفال) ، وقوله: (يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ) (124) (آل عمران) ، وقوله (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ) (125) (آل عمران) ، وكلها تعبيرات عن الكثرة أو طول المدة من باب التمثيل، وقد يقول قائل: هل يمدّهم بثلاثة آلاف ملك أو بخمسة آلاف؟ أيهما الرقم الصحيح؟ والتباين في هذه الآيات ظاهريّ، حيث المهم أن تأتي الأعداد فردية وتدل على الكثرة، فمرة يكون الرقم ألفا، أو خمسين ألف، أو ثلاثة آلاف، أو خمسة آلاف، فجميعها أعداد مفردة، والأعداد المفردة في القرآن كثيرة، والله فرد، والزمن هنا هو الزمن النفسي النسبي، والتكاليف على الملائكة وجبريل متباينة فتتباين أزمانها بحسب أوقاتها المختلفة، ومواقفها المتعددة، وكل موقف وتكليف له وقته وزمنه، فلا تعارض بين الآيات وبين أن يكون «يوم الله» ألف سنة أو خمسين ألف سنة، ولا إشكال كما ترى.
515 -إشكال الآية: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى) (الإسراء 47)
قالوا الآية مشكلة، و «الباء» في قوله «به» زائدة، والصحيح أن يقال: نحن أعلم ما يستمعونه إليك. وكانوا يستمعون من النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى القرآن ثم ينفرون، فيقولون هو ساحر ومسحور، ويتناجون في أمره. والصواب أن الباء ليست زائدة، فليس في كلام الله حرف زائد، وكلام الله منزّه عن مثل هذا النقد، وعلى ذلك يكون المعنى: نحن أعلم بالذي