فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 2524

النفس في أمور الذاكرة. وقد ورد في حديث ابن مسعود في السهو: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون» ، وعن عروة، عن عائشة فيما رواه البخاري قالت: سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرنى كذا وكذا آية من سورة كذا» ، وعن هشام زاد: «أسقطهن من سورة كذا» ، وفي رواية أخرى لعروة عن عائشة قال: «كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا» ، وفي هذه الروايات حجة لمن يجيز النسيان على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيما ليس طريقه البلاغ، وكذلك فيما طريقه البلاغ. وطالما أنه نسيان فلا بد أن يكون قد بلّغه أولا ثم نسى، ولكنه يتذكره من بعد، إما بنفسه، وإما بغيره، فكأنه ليس نسيانا على الحقيقة، وإنما كأنه النسيان أو أن له صورة النسيان وليس النسيان، أو أنه ينسى ليعلّم ... وفي القرآن: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى(6) إِلَّا ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) (7) (الأعلى) ، معناه لا تنسى ما نقرئك إياه، ومعنى «إلا ما شاء الله» ، ما قضى أن ترفع تلاوته، فهذا هو النسيان المقصود، وقد يقال إن معنى «فلا تنسى» أي لا تترك العمل به، إلا ما أراد الله أن ينسخه، ويدخل في قوله تعالى: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) (106) (البقرة) ، قرأها ابن مسعود «ننسأها» أي نؤخرها ونرجئها، وكذلك قرأها عمر بن الخطاب. وعن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار؛ وعن قتادة قال: كان الله عزَّ وجل ينسى نبيّه صلى الله عليه وسلم ما يشاء، وينسخ ما يشاء». وما يشاء من نسخ أو نسيان إنما هو لمصلحة الناس ولخيرهم، أو رفقا بهم. والصحيح أن آيات مثل: «سنقرئك فلا تنسى» نزلت للمسلمين جميعا وليس للنبيّ وحده صلى الله عليه وسلم. والنسيان في الآية ليس هو النسيان المعهود، ولكنه زيادة تنبيه، بمعنى تنبّه وكن في قمة وعيك أثناء القراءة ليثبت في ذاكرتك.

المرء مع من يحب، والمسلم الذكى مع الله دائما، والقرآن كلام الله، وعند أهل الحكمة فإن من يحب حكيمه يلازمه ويحفظ كلامه، والله يقول: (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (20) (المزمل) ، واقرءوا فعل أمر كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وكان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن: (اقْرَأْ) ، وكتاب الله أعطاه الله اسم القرآن، من القراءة، وقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا(78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا) (79) (الإسراء) فيه تحبيذ للقراءة في الفجر، فهي أجلى للصوت، وأفضل في النفس، وشحنة وعظيّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت