فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 2524

منه، وكلاهما كلام بشر، وأما كلام القرآن فالبلاغة فيه في القمة، ولا تدانيها بلاغة بشر، ولو كان الكلامان صادرين عن محمد لكان له أسلوبان مختلفان ينبئان بشخصيتين مختلفتين، ومزاجين متباينين، وثقافتين متباعدتين، وذلك هو المحال.

148 -القرآن وروح العصر: فرية أن القرآن يمثل روح عصره أصدق تمثيل المستشرقون اليهود والنصارى، والمستشرقون الجدد من المسلمين المثقفين ثقافات غربية، ومن دعاة التنوير والعلمانية والعولمة إلخ، هؤلاء هم الذين يفترون هذه الفرية، وهم ملاحدة أصلا، وفي زعمهم أن القرآن هو الأثر الوحيد الباقي من عصره، وأنه انعكاس لكل ثقافة ذلك العصر، يريدون بذلك أنه نبتة طبيعية للعصر وليس فيه شيء من الوحي، ولم يوح به لمحمد، وإنما ما به من نظرات ونظريات، ومعلومات ومعارف، وحكم ومأثورات، جميعها من إملاء العصر. والرّد على هؤلاء: فلماذا إذن لم يؤمن أهل هذا العصر به؟ ولماذا كذّبوا محمدا وهو لم يفعل - في زعمهم - إلا أن جمع التراث، وحشد مفرداته، وترجم عنه أصدق ترجمة كما ادّعوا؟ ولماذا حرصوا على تبهيته وتكذيبه، وافتروا أن ما جاء به القرآن هو من تعاليم بحيرا الراهب أو غيره؟ ولم يردعهم أن بحيرا وغيره لا يعرفون العربية، وألسنتهم ودياناتهم أعجمية، فهل الذي يقول بالإسلام يكون قد سرق، أو سطا، أو استعار، أو استفاد من مفردات لغات غريبة، وديانات عجيبة، مغايرة للإسلام كل المغايرة؟ وتتأبّى طبيعة هذه الديانات وتلك اللغات أن تكون مصدرا لهدايات القرآن وأسلوبه البليغ وتعبيراته المتسامية، ولنقارن بين فصل من فصول أي من الكتب المشهورة كأسفار موسى، أو أسفار العهد القديم أو الجديد، لنرى الاختلاف في التعاليم، وفي المنهج، وفي اللغة والأسلوب، وأجملها القرآن جميعها في وصف واحد فذكر أنها جهالات وضلالات، وانبرى يصحّحها ويقوّم معوجها، ونبّه إلى المنكرات فيها، واستحث الناس أن يطرحوها عنهم، وينبذوها من اعتقاداتهم.

ولو كان بحيرا الراهب أو الحدّاد الرومى جبرا، أو سلمان الفارسى، أو أي ممن افتروا أن محمدا تلقى عليه - هو مصدر كل هذه التعاليم في القرآن، وكل هذه الأحكام والهدايات، وهذا الفيض المعجز من الفلسفات والنظريات، والمفاهيم والدلالات، والأسماء والمعلومات، لكان الأحرى أن يكون بحيرا أو سلمان، أو غيرهما، هو النبيّ، وأن ينهض دون محمد بالرسالة، وأن يندب لها أو ينتدب لها نفسه! وهل كان من المعقول أن يحصّل محمد كل هذه المعارف ويصقل بها لسانه في هذا الوقت القصير، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت