فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 2524

سمحة، يعني لا تعصّب ولا تزمّت فيها كالذي عند اليهود والنصارى. والإسلام هو الوسطية، وأمة الإسلام هي الأمة الوسط، كقوله تعالى: (جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة 143) ، فهي الأمة السمحة التي تتوسط بين إفراط اليهودية وتفريط النصرانية، والوسط في الفلسفة هو الخيار والأجود؛ وفي الشهادة الوسط هو العدل، فلأن الإسلام هو هذه الحنيفية السمحة كان أهله هم أهل الشهادة على الأمم. والخلاصة: أن الإسلام هو العنوان الكبير لكل الديانات التي تدعو إلى الله بالحقّ، فمن كانت تلك دعوته فهو مسلم، ولذا جاء في القرآن عن التوراة قبل تحريفها: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) (المائدة 44) ، فقال فيها قولا حسنا، وجاء كذلك عن الإنجيل قبل أن يعبث به الرواة والكاتبون: (الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ) (المائدة 46) ، فساوى بين التوراة والإنجيل، وجعل فيهما الهداية لليهود والنصارى، وجعلهما نورا يستضيئون بهما ويمشون على هديهما، ولكن المشكلة أنهما ما عملا بالتوراة والإنجيل، ولذا قال لهم: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) (المائدة 68) ، وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) (المائدة 66) ، ولولا ذلك ما أنزل القرآن ولا بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فلمّا بعثه قال في الكتب الثلاثة: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) (التوبة 111) فقرن بينها؛ وساوى بين دعواتها، فهي جميعا نسخا من أصل واحد هو الإسلام، وهو الدين الذي يدعو إلى الله: (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء 25) ، وفي الحديث: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علّات، ديننا واحد» ، يعني أن الدين عند جميع الأنبياء هو الإسلام، وهو الدعوة إلى الله، وإن اختلفت الشرائع وتنوعت المناهج» والحمد لله ربّ العالمين.

الآية: (يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) (المائدة 3) نزلت حين فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع أو ثمان، ونادى فيها مناديه: «من قال لا إله إلا الله فهو آمن؛ ومن وضع السلاح فهو آمن؛ ومن أغلق بابه فهو آمن» ، وحينئذ استشعر أعداء الإسلام اليأس من أن يتحول المسلمون عن دينهم، أو يداخلهم إزاءه الشك كما يتمنون، ومنذ البداية كانت تلك أمنيتهم، وذلك هدفهم، فعملوا على أن لا يكون المسلمون على ثقة من أمرهم، في أيّ من شئون دينهم، وما تزال تلك غايتهم من منافحاتهم المستمرة، ومنازعاتهم الدائبة مع المسلمين، وأخصّهم «المستشرقون» ، سواء من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت