وتباغضوا: (وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم 32) ، وعندئذ قالت اليهود: (لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ) (البقرة 113) ، يعني كذّبوا بعضهم البعض وجاءوا بآيات من كتب بعضهم البعض يكذّب كل منهما الآخر، فاليهود كفروا بعيسى مع أن عندهم التوراة وفيها البشارة بعيسى، والنصارى كفروا بالتوراة مع أن الأناجيل فيها التصديق بها، وكلاهما يعلم ما أتت به التوراة والأناجيل وأن لا تخالف بينها، ومع ذلك تجاحدوا فيما بينهم، عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد: (وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة: 135) ، فالذي ينبغي أن يكون الأمر عليه هو الدعوة فقط للإسلام، فلا يهودية ولا نصرانية، فكلاهما فكر اليهود أو فكر النصارى، والدعوة بخلاف الفكر، فالدعوة لله، والفكر للبشر؛ ومضمون الدعوة أن لا إله إلا الله، فهذا معنى الإسلام الذي كان ينبغي أن يدين الناس به، وأن يقرّوا به جميعا منذ آدم وحتى إبراهيم وما بعده: (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة 131) ، فكانت وصيته الإسلام للكافة من بعده: (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة 132) ، و «بها» أي بكلمة «لا إله إلا الله» ، فما كان إبراهيم: (يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران 67) . والحنيف المسلم: هو المتحنّف عن الشرك المستمسك بالإسلام، كقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (البقرة 130) ويسفّه نفسه أي يظلمها، وملة إبراهيم هي قوله تعالى: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة 131) ، (وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) (الزخرف 28) أي إسلامه لله، جعله شهادة دائمة في ذريته، واصطلاح الإسلام جاء من ذلك: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج 78) ، والضمير عائد إما على إبراهيم بقوله «أسلمت لرب العالمين» ، وإما إلى الله تعالى بأن أطلق على المؤمنين بهذا الدين اسم المسلمين. ومع ذلك لم يظهر الاسم جليا صريحا إلا في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان أول من نبّه إلى اسم الإسلام لمسمى الدين، قال: (إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام) ، فكان محمد صلى الله عليه وسلم وليس غيره، يدعو ويقول: «أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص وملة أبينا إبراهيم وما كان من المشركين» فلما سألوه عن الإسلام الذي هو ملّة إبراهيم، قال في التعريف به: «الحنيفية السمحة» . وكلمة الإخلاص في الحديث هي «لا إله إلا الله» ، «والحنيفية السمحة» هي التحانف عن الشرك كما قلنا، ووصف هذه الملّة بأنها